تقول الأسطورة القديمة أن تاجرًا كان لديه ابن وحيد يشكو من التعاسة ويتذمر كثيرًا على أوضاعه رغم أنه ميسور الحال، ولكى يعرفه والده قيمة الحياة ومعنى السعادة الحقيقية أرسله إلى أكبر حكيم موجود فى المدينة، وحين وصل الشاب إلى قصر الحكيم وجده فخماً وعظيمًا وكبيرًا جدًا من الخارج فاستقبله الحكيم بالترحاب، وقال له «هات ما عندك؟».
فقال له: «أيها الحكيم الأمين هل لك أن تخبرنى بسر السعادة؟».
فرد عليه الحكيم قائلاً: «يا بنى ليس لدىّ وقت لأعلمك هذا السر العظيم ولكن سأطلب منك أن تخرج وتتمشى بين جنبات قصرى ثم إرجع لى بعد ساعتين».
ووضع بين يديه ملعقة بها قليل من الزيت وقال له: «أرجو أن ترجع لى بهذه الملعقة واحرص على ألا يسقط منها الزيت».
فخرج الشاب وطاف بكل نواحى القصر شرقاً وغرباً ثم رجع إلى الحكيم مرة أخرى.
فسأله الحكيم: «يا بنى هل رأيت حديقة القصر الجميلة المليئة بالورود النادرة؟».
فرد الشاب: «لا لم أرَ الورود».
فسأله مرة أخرى: «يابنى هل شاهدت مكتبة القصر وما فيها من كتب قيمة يصعب العثور عليها؟».
فقال الشاب: «لا لم أرَ الكتب».
فكرر الحكيم سؤاله: «يابنى هل رأيت التحف الرائعة بنواحى القصر وتطلعت إليها؟»،
فأجاب الشاب: «لا لم أرَ التحف».
فسأله الحكيم: «يابنى لماذا لم ترَ الورود والكتب والتحف؟».
فرد الشاب: «لأنى لم أرفع عينى عن ملعقة الزيت خشية أن يسقط منى وأنت نبهتنى أن أحرص على ألا يسقط منى وأنا أطوف، لذلك لم أرَ شيئاً مما حولى بالقصر».
فقال له الحكيم: «إرجع يابنى ومتع نظرك بكل ما أخبرتك به وعد إلىّ، لا تفوّت فرصة الاستمتاع لا تكن غبيًا».
ففعل الشاب كما طلب منه الحكيم وشاهد الورود النادرة والكتب القيمة والتحف الرائعى وعاد للحكيم بعد مدة.
فسأله الحكيم: «قل لى ماذا رأيت؟».
فانطلق الشاب يروى ما رآه من جمال الورود وأنواعها وألوانها المختلفة فى الحديقة كما أستطاع أن يقلب بين الكتب النادرة فى المكتب وأيضاً شاهد التحف الرائعة ولمسها وهو منبهر وسعيد.
فنظر الحكيم إلى ملعقة الزيت بيد الشاب فوجد أن الزيت سقط منها. فقال له: «انظر يا بنى، هذا هو سر السعادة الذى تبحث عنه.. فنحن نعيش فى هذه الدنيا وحولنا الكثير من نعم ربنا ولكننا نغفل عنها ولا نراها ولا نقدرها لانشغالنا عنها بهمومنا وتطلعاتنا وصغائر ما فى هذه الحياة.. السعادة الحقيقية يا بنى أن تقدر النعم فى حياتك وتسعد بها وتشكر ربك عليها وتنسى ما ألم بك من هموم ومشاكل مثل ملعقة الزيت، حين نسيتها والتفت إلى النعم من حولك سقط الزيت، أى سقطت الهموم والمشاكل وظهرت أسرار السعادة الحقيقية، سوف تعيش على هذه الأرض مرة واحدة لا تعيشها فى هموم ومشاكل وتطلعات وتنسى وجود نعم ربنا عليك وتعلم أنه إذا أخطأت.. اعتذر، وإذا فرحت.. عَبّر، وإذا بارك الله فى مالك.. تصدّق. والأهم من كل هذا لا تتذمر ولا تشكو ولا تيأس حتى لا تزول النعم».
وأنا أضم صوتى لصوت الحكيم وأقول إن السعادة الكاملة ليست فى كثرة الجاه والمال والجمال، وإنما فى تمام الصحة والعافية والحيوية فى دوام الشغف والطموح والأمل فى استمرار السعى والاجتهاد والعمل والأهم من كل هذا فى الإيمان بقدرة ربنا والثقة فى خطته الصالحة العظيمة لك وإلا ستصاب بغباء اصطناعى.
التعليقات