طبقا لكل الدراسات والاستفتاءات التى تم إجراؤها على مدى عشر سنوات، للمستمع المصرى، احتلت كل من إذاعتى القرآن الكريم والأغانى المرتبة الأعلى فى كثافة الاستماع، والفارق شاسع جدا بين الإذاعتين، وبين من يحل ثالثا.
العشوائية لا تزال تسيطر فى العديد من القرارات، جاء مرسوم بإلزام محطة الأغانى بأن تخسر يوميا نحو 5 ساعات، من البث على مدى 24 ساعة، حيث تمنح هذه المساحة لمحطة توقف بثها قبل نحو عامين، كنا نطلق عليها شعبيا (محطة أم كلثوم)، تلك المحطة التى حملت لقب (أم كلثوم) مع بداية بثها عام 59، كانت تحظى بكثافة استماع عالية، رغم أنها تقدم أغانيها من خلال جدول صارم جدا تبدأ إرسالها بأغنية لأم كلثوم وتنتهى أيضا بأم كلثوم، ولهذا حملت اسمها.
وتلك القناة لها قصة، أثناء العدوان الثلاثى عام 56 ضد مصر كانت الإذاعة المصرية هدفا للضرب، وكانت فى ذلك الوقت تقع فى شارع (الشريفين) قبل إنشاء ماسبيرو عام 1960، أنشئت تلك القناة السرية، حتى تصبح بديلا جاهزا لو تم إيقاف البث الرسمى، حتى يظل صوت مصر له كل الحضور.
تاريخيا الإعلام المصرى لم يتلق ضربة توقفه عن البث، مع الزمن جاء صوت من داخل الدولة- البعض يشير إلى دكتور عبد القادر حاتم- وهو اقتراح باستغلال هذا التردد الإذاعى لتقديم إذاعة منضبطة جدا فى بثها، لها خريطة لا تتغير فى الترتيب أم كلثوم ثم عبد الوهاب ثم فريد ثم نجاة ثم عبد الحليم ثم شادية ثم فوزى، وبعد ذلك تستمع إلى محرم وصباح ووردة وغيرهم، الترتيب يتكرر يوميا، بينما كل ثلاثين يوما تستمتع إلى نفس الأغنيات بنفس التتابع، لا يوجد مكتب لتلك المحطة فى (ماسبيرو)، ولا فى المبنى القديم بـ(الشريفين)، ظلت تقدم أغانيها حتى العاطفى منها مثلا أثناء هزيمة 67 وانتصار 73، فهى لا تغير أبدا تتابع ونوعيات أغانيها، مهما كانت الأحداث التى يمر بها الوطن.
عندما انطلقت محطة الأغانى عام 2000، حققت نجاحا استثنائيا، وبدأ المستمع يضبط يومه على الإذاعة الوليدة، الإذاعة لديها مساحات ثابتة تتكرر يوميا لفيروز وفريد وفوزى وعبد الحليم، بينما عبد الوهاب وأم كلثوم لديهما مساحتان يوميا، وهذه الإذاعة منذ إنشائها تسمح بأن يقدم المذيع اسم الأغنية والكاتب والملحن، كما أنها تتيح أيضا مساحة برامجية للحديث عن الأغنيات.
إذاعة (أم كلثوم) محطة صماء، لا تقدم سوى الأغنيات بدون صوت مذيع، تتحرك وفقا لآلية صارمة، ولا أدرى لماذا توقفت قبل عامين عن البث، مؤكد هناك جمهور، لديه حنين إليها، إلا أن عودتها عبر محطة الأغانى أضرت بها، واغتالت أيضا فى نفس الوقت إيقاع محطة أثبتت جدارتها طبقا لكل الاستفتاءات الرسمية، هل يملك مسؤول القدرة على إعلان التراجع عن قرار اتخذه بدون دراسة؟ لا أحد داخل المبنى يجرؤ على إعلان الرفض.
إنها ليست فقط مأساة قناة الأغانى، مع الأسف صارت حكاية متكررة، نرى لها تنويعات فى العديد من مظاهر حياتنا، ولا يملك أغلبنا سوى الاستهجان صمتا!!.
التعليقات