جرعة معتبرة من الضحك والأكشن عشتها على مدى نحو ساعتين فى دار العرض مع (صقر وكناريا)، خرجت وأنا سعيد، ولكن لو سألت نفسى هل تبقى شىء فى الذاكرة أو الوجدان؟ لن أجد سوى مساحة بيضاء.
لا أتصور أن الكاتب أيمن وتار والمخرج حسين المنباوى، كان لديهما هدف أبعد من قضاء الجمهور ساعتين من (القهقهة اللذيذة)، لا تنتظر أن تجد أمامك رسالة مضمرة وأخرى مباشرة، لا تجهد نفسك، كل شيء مصنوع فى هذا الفيلم فقط لإرضاء الزبون، العاشق للاكش والكوميديا، الشريط قائم على تلك المسافة بين الخيال والواقع وأيضا التشابك الحتمى بينهما.
شيكو يؤدى دور كاتب يقدم أعمالا عن بطل خارق، وفى لحظة يلتقى واقعيا مع هذا الخارق محمد إمام، كانت الفرصة سانحة للإمساك بهذا الخيط، عالم الواقع الذى يعيشه محمد إمام المجرم المطلوب دوليا، بينما هناك على الجانب الآخر شيكو الذى يجد فى الخيال الذى يسكبه على الورق بتقديم تلك الشخصية الأسطورية تنفيسا عن ضعفه الواقعى فى مواجهة ليس فقط الحياة ولكن حتى أسرته الصغيرة نكتشف كم هو ضعيف أمامهم.
زوجته يسرا اللوزى وحماته انتصار، حتى ابنه الصغير الذى يحلم بأن يرى أباه بطلا مثلما يكتب الأب على الورق ولكننا لا نجد أمامنا سوى العجز عن الفعل.
تلك كانت شذرات تناثرت فى الدراما كان من الممكن البناء أكثر عليها، إلا أن علينا إدراك أنك بصدد شريط سينمائى لا يكذب ولا يتجمل، يقدم لك النكتة، حتى لو كنت تتوقعها فهى قادرة على إضحاكك.
أعاد لى الفيلم شيكو الذى أراه أحد أهم نجوم الكوميديا، رغم أن خطواته تعثرت قليلا عن رفيقيه هشام ماجد وأحمد فهمى، اللذين حققا فى الأعوام الثلاثة قفزات إلا أن هذا الفيلم أعاد شيكو للدائرة.
طبعا القوة الضاربة فى الفيلم هو (محمد إمام)، القادر على جذب الجمهور، عمره الفنى ٢٠ عاما، فى البداية كنت أراه تنويعة على عادل إمام، ولكن لا يمكن أن ينجح نجم عقدين من الزمان لمجرد أنه تنويعة على فنان كبير، كما أن قوة الدفع التى يمنحها الأب لابنه تظل مثل مفتاح (الكونتاكت) تمنح فقط الشرارة الأولى، وبعدها إذا لم تتحرك ذاتيا تتعثر الخطوات، ومحمد مهما تباين مستوى الأفلام والمسلسلات التى يلعب بطولتها لم يتوقف أبدا عن استكمال الطريق، وهذا يعنى أن هناك شركات إنتاج ترى فيه ورقة رابحة.
كما أن التفاصيل فى طريقة الأداء، التى تعيد إليك لمحات من عادل إمام، كنت أراها فى بداية انطلاقه تكاد تتطابق.. اكتشفت مع الزمن، أن جيلى أكثر حساسية فى التعامل مع محمد إمام بينما جيل هذه الأيام، لا تنتابه أبدا مشاعر التطابق، ارتباط جيلنا مع عادل أمام يدفعنا بقدر اكبر من الحساسية للتعاطى مع محمد لأن عادل لا يزال يسكننا، بينما هذا الجيل- وهم يشكلون الأغلبية من دافعى تذكرة السينما - يتعاملون مع الشاشة بلا حسابات مسبقة، وهو يرى فقط فى كل تعبير ملامح محمد إمام.
كل من جاء زمنيا بعد عادل تأثر به مع اختلاف الدرجة، يظل استمرار محمد هو الدليل العملى، أنه يمتلك خصوصية ولديه دائرة جماهيرية تنتظره.
محمد أيضا يتعامل مع المعادلة الفنية بعقلانية، مدركا من البداية أنه لن يحمل شعلة عادل إمام فى الكوميديا، ولهذا يظل رهانه على (الجان) وليس (الكوميديان)، وهكذا اشتغل على لياقته البدنية.. ومؤشر الاختيار لديه يضع مشاهد (الأكشن) فى مقدمة الأسلحة وفى كل أفلامه هناك شخصية صديق البطل المنوط به تحمل القسط الأكبر من تفجير الضحكات.. لدى محمد قدرة على أن يشعر كل من يقف بجواره أنه هو الذى يقف بجواره، ولهذا على الأفيش يحرص على تواجد كل الممثلين، وبعيدا عن الأفيش لا يتوقف عن الإشادة ومداعبة الجميع على صفحته الشخصية.
(صقر وكناريا).. فى حالته الراهنة قدم بالضبط الهدف الذى صنع من أجله. كان من الممكن أن يضيف معايشة وجدانية أكثر إلا أنه اكتفى بهذا القدر، الذى يجعلك تقف حياله عند التقييم فى منطقة متوسطة. نعم (أضحكنى) ولكن كان من الممكن أن يصبح النتاج أفضل؛ تظلم الفيلم لو قلت لم يضحكنى، وتظلم الفن لو قلت علينا أن نكتفى بهذا القدر، وعلى طريقة فريد الأطرش تردد: (مقدرش أقول أه.. مقدرش أقول لأ)!!.
التعليقات