لم تكن محاولات إضعاف الدول الكبرى في التاريخ وليدة المصادفة، وإنما جاءت دائمًا عبر استنزافها من الداخل قبل استهدافها من الخارج. ومن هذا المنطلق، تبدو مصر، بحكم موقعها وثقلها الحضاري والاستراتيجي، هدفًا دائمًا لمشروعات سعت -ولا تزال- إلى إنهاكها وإضعاف قدرتها على أداء دورها الإقليمي، تمهيدًا لتحقيق أطماع توسعية طالما ردد أصحابها شعارات تتجاوز حدود الواقع والتاريخ.
ورغم أن بعض تلك المشروعات يرفع شعارات تمتد "من النيل إلى الفرات"، فإن التجارب المتعاقبة أثبتت أن مصر كانت، ولا تزال، العقبة الأصعب أمام أي مشروع يستهدف إعادة تشكيل المنطقة وفق مصالح خارجية. فهذه الدولة لم تستمد مناعتها من قوتها العسكرية فحسب، بل من تكوينها التاريخي، وجغرفيا منحها الله أياها عن استحقاق، كذلك وحدة شعبها، وعمق هويتها الوطنية، وهو ما جعلها عصية على التفتيت أو الذوبان.
فعلى امتداد عقود طويلة، جرت محاولات متكررة لإشعال الفتنة الطائفية بين أبناء الوطن، غير أنها
أخفقت في النيل من النسيج المصري الذي ظل أكثر صلابة من كل محاولات التحريض. كما لم تنجح محاولات بث الفرقة بين شمال البلاد وجنوبها؛ فمنذ عهد مينا، بقيت وحدة الأرض والهوية حقيقة راسخة لا تهزها دعايات عابرة.
ولعل من أبلغ الشواهد على ذلك ما قدمه أبناء النوبة في حرب أكتوبر 1973، حين أسهموا في تحقيق أحد أهم عناصر التفوق العسكري باستخدام اللغة النوبية في الاتصالات العسكرية، وهو ما أربك الاستخبارات الإسرائيلية وأفشل محاولاتها لفهم الرسائل المتبادلة. وستظل تلك الصفحة المشرقة مرتبطة باسم البطل المصري النوبي أحمد محمد أحمد إدريس، الذي جسّد، مع رفاقه، أن التنوع داخل مصر مصدر قوة لا مدخلًا للانقسام.
وتوالت بعد ذلك محاولات استهداف أطراف الدولة، سواء عبر إثارة الجدل حول حلايب وشلاتين، أو من خلال الحرب الشرسة التي خاضها أبناء مصر ضد التنظيمات الإرهابية التي حاولت إقامة كيان تابع لها في سيناء، غير أن المشروع انهار، وانتصر الجيش والشعب، وسقطت رهانات من راهنوا على اقتطاع جزء من أرض مصر.
كما راهن آخرون على قوى داخلية ارتبطت بتنظيمات عابرة للحدود، مدعومة من أجهزة استخبارات وقوى خارجية، ظنًا منهم أنها قادرة على زعزعة الدولة من الداخل لتدثرها بدثار الدين، أو عبر ملايين من المرتزقة الممولين تحت مسميات كاذبة كاللاجئين أوالنازحين والمتسللين ممن أرادوا استيطان الأرض وتغيير ديموجرافيتها تمهيدا للتناحر المؤدي في النهاية إلى الانقسام والتقسيم، إلا أن تلك الرهانات اصطدمت بحقيقة أن ملايين المصريين كانوا، في كل مرة، أكثر تمسكًا بدولتهم من كل محاولات الاستقطاب.
ومع تعثر تلك المخططات، ظهرت أساليب أكثر تعقيدًا، تقوم -وفق هذا التصور- على مسارين متوازيين؛ أولهما إرباك الداخل عبر استغلال الأزمات السكانية، وما يرتبط بها من توترات اجتماعية وسياسية واقتصادية، وثانيهما تحويل البيئة الإقليمية المحيطة بمصر إلى بؤر صراع وفوضى، حتى تصبح الدولة محاطة بأزمات ممتدة يتبناها أعداء للدولة كانوا في السابق أشقاء، بدلًا من فضائها العربي المستقر، فتنتقل إليها تداعيات الحروب والإرهاب والميليشيات. وتتنتقل أزمة الكيان اللقيط إلى الدولة المصرية العريقة.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل برزت محاولات تستهدف
الركيزة الأعمق للدولة المصرية، وهي هويتها الحضارية، عبر أطروحات تدّعي إعادة كتابة التاريخ ونزع الحضارة المصرية من جذورها، فيما يُعرف إعلاميًا بالأفروسنتريك. ويرى كثيرون أن مثل هذه الأطروحات لا تمثل مجرد جدل أكاديمي، بل قد تتحول -إذا استُغلت سياسيًا- إلى وسيلة للطعن في هوية مصر التاريخية، تمهيدًا لإضعاف مكانتها الحضارية في الوعي العالمي.
لكن التاريخ المصري يحمل حقيقة لا تتغير؛ فكل مشروع استهدف هذه البلاد ظن أن سقوطها بات وشيكًا، ثم اكتشف أن حساباته أغفلت العامل الأهم: وعي الشعب المصري. لقد تعاقبت المؤامرات، وتبدلت أدواتها، وتغيرت شعاراتها، بينما بقيت مصر، في كل مرة، قادرة على استعادة توازنها وإفشال رهانات خصومها.
فالتحديات قد تتغير، وأسماء اللاعبين قد تختلف، لكن الثابت أن مصر لا تُحمى بالسلاح وحده، بل بوعي أبنائها، وتمسكهم بهويتهم، وإدراكهم أن أخطر الحروب ليست تلك التي تستهدف الحدود، وإنما التي تستهدف العقول والانتماء. وحين يدرك المصريون هذه الحقيقة، يصبح كل مخطط لإسقاط دولتهم مجرد فصل جديد ينتهي كما انتهت الفصول السابقة... بالفشل.
وتبقى مصر حتى تعلن هي انتهاء التأريخ
التعليقات