بينما تقف حاملات الطائرات الأمريكية في مياه الخليج، وتتعالى أصوات قرع طبول الحرب في تل أبيب، يلفّ واشنطن صمت مريب. ورغم أن كل المعطيات الميدانية تشير إلى أن المواجهة العسكرية مع طهران باتت حتمية، إلا أن الرئيس دونالد ترامب يبدو وكأنه ينسج خيوطاً استراتيجية تتجاوز حدود الشرق الأوسط. إن تأخر الضربة الأمريكية ليس مجرد "استراحة محارب"، بل هو "إعادة تموضع" عالمي تحكمه حسابات الذهب وأسعار النفط، والسيولة في طوكيو، والسيادة في جزر المحيط الهندي.
معضلة "التمويل" وعقيدة ترمب التجارية
لا يخفي الرئيس ترمب قلقه من فاتورة الحرب. فمع وصول الدين العام الأمريكي إلى 35. 46تريليون دولار، يرفض "الرئيس التاجر" خوض مواجهة تستنزف الخزينة دون "كفيل" إقليمي. وفي ظل موقف خليجي واضح يرفض الانجرار لحرب إقليمية تدمر البنية التحتية وتفجر فجوات أمنية في المنطقة، يجد ترامب نفسه أمام معضلة، كيف يسقط نظام طهران دون أن تسقط الميزانية الأمريكية؟
إن التخوف من تحول إيران إلى "دولة فاشلة" مقسمة لدويلات مسلحة تهدد أمن الطاقة والخليج، يجعل واشنطن تتروى في اتخاذ قرار قد يرتد وبالاً على حلفائها قبل خصومها. عبر مضاعفة نشاط الجماعات المتطرفة والإرهابية التي تتغذى على الفوضى وعدم الإستقرار الأمني في المنطقة، والتي ستنضم بشكل معلن إلى جماعات شيعية متطرفة موالية للنظام داخل إيران ،تتشابه في كونها تحمل نفس ايدلوجيا العنف والتطرف وتختلف فقط في المذهب. كما حدث سابقاً فيما يسمى "وحدة الساحات"خلال حرب الإثنى عشر يوماً بين حماس كذراع إيراني سني وباقي الجماعات الشيعية التابعة لإيران في المنطقة وتشمل هجمات شنها كل من حزب الله والحوثي والحشد الشعبي على اسرائيل وأصابت جزء ليس بالقليل من أهدافها. وما سيترتب على ذلك من عودة نشاط هذه الجماعات بأوامر من النظام الإيراني الذي يترنح إثر ضربة عسكرية . لتستأنف هذه الجماعات نشاطها ضد القواعد الامريكية في بعض دول الخليج العربي والمنطقة. وهو ما حذرت منه ايران في حال فشلت مفاوضات عمان و قرر الرئيس ترامب توجيه ضربة عسكرية لطهران. خصوصا وأن هناك نقاط خلافية تعرقل إتمام المرحلة الثانية من المفاوضات غداً، تخص تعنت الموقف الإيراني الرافض لتصفير البرنامج النووي وربط ملف الباليستي بدوائر الأمن القومي الإيراني، تزامناً مع مخاوف امريكية واسرائيلية من مراوغة إيرانية تهدف لكسب الوقت من أجل ترميم الساحات ورفع الإستعدادات القتالية للحدود القصوى. ودون التخلي كلياً عن الوكلاء في المنطقة وتجميد شتى أنواع الدعم المادي والمعنوي والعسكري.
استراتيجية "الدفاع المتقدم" ووحدة الساحات
تُعد استراتيجية "وحدة الساحات" الركيزة الأساسية للعقيدة الأمنية الإيرانية (ما يعرف بالدفاع المتقدم). في حال فشل المسار الدبلوماسي في عمان وانتقال واشنطن للخيار العسكري، لن تتعامل طهران مع الهجوم كحدث معزول، بل كإشارة لإطلاق شبكة من الوكلاء والشركاء لزعزعة الاستقرار الإقليمي، بهدف رفع تكلفة الحرب على الولايات المتحدة وحلفائها إلى مستوى غير قابل للاستمرار.
أولاً: الأدوار العسكرية والأمنية للجبهات (سيناريو المواجهة)
في حال توجيه ضربة لإيران، من المتوقع أن يتم توزيع الأدوار كالتالي:
- حزب الله اللبناني: "رأس الحربة والردع الصاروخي"
يُعتبر الحزب الطرف الأكثر تدريباً وتسليحاً. دوره لن يقتصر على الدفاع، بل سيشمل:
إشغال المنظومات الدفاعية: استخدام الكثافة الصاروخية (المقدرة بـ 150 ألف صاروخ) لاستنزاف منظومات الدفاع الجوي في المنطقة.
استهداف العمق: توجيه صواريخ دقيقة نحو المنشآت الحيوية والقواعد التي قد تنطلق منها الطائرات الأمريكية.
التهديد البحري: مراقبة وإغلاق محتمل للتحركات البحرية في شرق المتوسط.
- جماعة الحوثي (أنصار الله): "خناق الممرات المائية"
الحوثيون هم الطرف الأكثر "تحرراً" من القيود السياسية الداخلية مقارنة بغيرهم، ودورهم يتمحور حول:
حرب الاستنزاف البحرية: استهداف القطع البحرية الأمريكية وناقلات النفط في باب المندب والبحر الأحمر لمنع الإمدادات.
سلاح المسيرات بعيد المدى: إطلاق طائرات مسيرة وصواريخ باليستية نحو أهداف استراتيجية في جنوب شبه الجزيرة العربية لزيادة الضغط الاقتصادي العالمي.
- الحشد الشعبي (الفصائل العراقية): "استهداف الوجود الميداني"
الدور العراقي يتميز بالقرب الجغرافي من القواعد الأمريكية:
الهجمات الصاروخية والمسيرة: استهداف القواعد الأمريكية في "عين الأسد" و"الحرير" ومنطقة التنف في سوريا.
قطع خطوط الإمداد البري: عرقلة تحركات القوات الأمريكية بين العراق وسوريا.
الضغط السياسي: استغلال النفوذ داخل البرلمان العراقي لإجبار الحكومة على تسريع طرد القوات الأجنبية تحت ضغط التصعيد العسكري.
ثانياً: هل تسمح البيئة الحالية بهذا التصعيد؟ (تحليل القيود)
رغم النوايا الأيديولوجية، تواجه هذه الجبهات تحديات خانقة قد تعيق تنفيذ "وحدة الساحات" بشكل كامل:
- حزب الله (لبنان): "بيئة الانهيار الشامل"
اقتصادياً: يعيش لبنان واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية في التاريخ الحديث. الحزب يدرك أن حرباً شاملة ستعني تدمير ما تبقى من بنية تحتية، مما قد يؤدي لانفجار اجتماعي ضده حتى داخل حاضنته.
سياسياً: الفراغ الرئاسي والانقسام الحاد يجعلان أي قرار بالحرب يبدو كـ "انتحار وطني"، مما يزيد من كلفة التورط العسكري.
- الحشد الشعبي (العراق): "تحدي الدولة والسيادة"
أمنياً وسياسياً: الفصائل العراقية جزء من هيكلية الدولة (هيئة الحشد الشعبي). أي تورط مباشر يضع الحكومة العراقية في مواجهة عقوبات دولية مدمرة.
داخلياً: هناك تيار واسع (بما في ذلك قوى شيعية وطنية) يرفض تحويل العراق إلى ساحة لتصفية الحسابات الإيرانية-الأمريكية.
- الحوثي (اليمن): "هدنة هشة وطموحات اعتراف"
بيئياً: الحوثيون يسعون لانتزاع اعتراف دولي وتثبيت مكاسبهم بعد سنوات الحرب. الدخول في مواجهة مباشرة لحماية إيران قد ينسف مفاوضات السلام الإقليمية ويعيد اليمن إلى مربع الجوع الشامل. ومع ذلك، يظل الحوثيون الطرف الأقل اكتراثاً بالتبعات الدولية مقارنة بحزب الله.
إذا فإن وحدة الساحات هي "خيار الضرورة القصوى" لإيران، لكن تنفيذها ليس آلياً. إيران تفضل "الصبر الاستراتيجي" واستخدام هذه الجبهات كأوراق ضغط لتحسين شروط التفاوض بدلاً من حرقها في مواجهة شاملة. ومن المتوقع في حال وقوع ضربة أمريكية، الرد سيكون "متناسباً وموزعاً" لضمان عدم انجرار المنطقة لحرب إبادة شاملة تقضي على هذه الأذرع، بل لإيصال رسالة بأن تكلفة المساس بطهران ستكون باهظة عالمياً.
من "الصبر" إلى "الاستراحة" الاستراتيجية الايرانية (قراءة في الأرقام والتحولات)
لطالما استندت الاستراتيجية الإيرانية إلى مدرسة "النفس الطويل"، أو ما يُعرف بـ الصبر الاستراتيجي (Strategic Patience)، وهي قدرة النظام على امتصاص الضربات وتجاوز العقوبات بانتظار تغير الموازين الدولية. إلا أن المعطيات الراهنة في عام 2026 تشير إلى أن طهران انتقلت إلى مرحلة الاستراحة الاستراتيجية (Strategic Pause).
- أفول عصر الصبر الاستراتيجي
خلال الفترة (2018-2024)، اعتمدت إيران على سياسة امتصاص الضغوط القصوى (Maximum Pressure) وتُظهر التقارير الاقتصادية أن إيران استطاعت رغم العقوبات:
رفع إنتاج النفط من 400 ألف برميل يومياً في ذروة عقوبات ترامب إلى أكثر من 1. 5 مليون برميل يومياً في بدايات 2025.
تطوير شبكة تجارة موازية (اقتصاد الظل) قُدرت قيمتها بنحو 80 مليار دولار سنوياً.
إسرائيل ترى أن هذا الصبر كان "خندقة" بانتظار اللحظة المناسبة، ولكن مع تزايد الضربات الإسرائيلية المباشرة (مثل أحداث يونيو الماضي والصدام المباشر)، أدركت طهران أن الصبر السلبي بات مكلفاً، فانتقلت إلى "إدارة الهدوء".
- مفهوم الاستراحة الاستراتيجية
تُعرف "الاستراحة الاستراتيجية" بأنها اتفاق ضمني أو "تفاهم غير مكتوب" مع القوى الكبرى (وعلى رأسها الولايات المتحدة) يرتكز على معادلة: "خفّض التصعيد. . تحصل على التنفس الاقتصادي".
المؤشر الإحصائي: تشير تقارير استخباراتية دولية إلى انخفاض معدل هجمات الوكلاء ضد القواعد الأمريكية في المنطقة بنسبة 65% خلال الأشهر الستة الماضية، يقابله إفراج تدريجي عن أرصدة إيرانية مجمدة في بنوك دولية.
ثانياً: التفاهم الجزئي. . الكابوس الإسرائيلي الأكبر
تخشى إسرائيل أن تؤدي هذه الاستراحة إلى "اتفاق ناقص" (Less for Less). وتتلخص المخاوف الإسرائيلية في النقاط التالية:
- الملف النووي: التجميد لا التفكيك
وفقاً لتقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، تمتلك إيران حالياً:
مخزوناً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% يتجاوز 140 كجم.
قدرة تقنية للوصول إلى "نقطة الاختراق" (Breakout Time) في غضون أيام.
إسرائيل ترى أن أي اتفاق جزئي يجمّد التخصيب عند هذه النطاقات دون تفكيك أجهزة الطرد المركزي المتطورة (مثل IR-6)، يعني أن إيران حصلت على "استراحة" وهي على عتبة القنبلة، مما يجعلها دولة حافة نووية معترف بها واقعياً.
- الصواريخ والمسيرات: خارج الرادار
الاستراحة الاستراتيجية تستثني عادةً برنامج الصواريخ البالستية. تشير التقديرات إلى أن ترسانة إيران تضم أكثر من 3000 صاروخ بالستي قادرة على إصابة أي نقطة في إسرائيل. التهدئة الحالية تمنح طهران الوقت لتطوير دقة هذه الصواريخ وأنظمة التوجيه بعيداً عن ضغط "الضربة الوشيكة".
ثالثاً: الجبهة الداخلية. . تثبيت أركان النظام
لا يمكن فصل "الاستراحة الاستراتيجية" عن الوضع الداخلي الإيراني. ترى القراءة الإسرائيلية أن طهران بحاجة إلى هذا الهدوء الخارجي لتصفية الحسابات الداخلية:
إخماد الاحتجاجات: بعد موجات الاحتجاجات العنيفة، استطاعت السلطة استعادة السيطرة، لكنها تدرك أن الضغط الاقتصادي هو الوقود الحقيقي للشارع.
الإحصائيات الاجتماعية: تشير تقارير غير رسمية إلى أن نسبة التضخم في إيران لامست 45%، مما يجعل الهدوء مع واشنطن ضرورة وجودية للنظام (Survival Strategy) لمنع انفجار داخلي تصفه الأدبيات الإيرانية بـ "الفتنة".
رابعاً: فقدان سردية "التهديد العاجل"
هذا هو البعد الأكثر خطورة في الحسابات الاستراتيجية لتل أبيب. وهذه "الاستراحة" ليست تراجعاً، بل هي إعادة تموضع تكتيكي تهدف إلى شرعنة المكتسبات النووية والإقليمية تحت غطاء من التهدئة "المنقوصة" مع واشنطن، وهو ما يثير فزعاً في تل أبيب التي ترى في هذا الهدوء قنبلة موقوتة.
"تاكايتشي". . المفاجأة اليابانية التي غيرت الحسابات
في طوكيو، بدأ زلزال من نوع آخر. فوز الحزب الحاكم بقيادة ساناي تاكايتشي في فبراير 2026، منح الحكومة تفويضاً لثورة اقتصادية وعسكرية. اليابان، التي تمتلك أصولاً خارجية تقارب 3. 7 تريليون دولار، قررت البدء بسحب جزء من هذه "المنح والقروض" لإعادة ضخها في صناعاتها الدفاعية المحلية. هذا التحول الياباني أنتظره الرئيس ترامب وأجل قرار ضرب ايران لأجله. فتجديد الثقة في حكومة تاكايتشي يخدم ترامب من جهتين
أولا، إضعاف النفوذ الصيني والأوروبي الذي كان يعتمد على السيولة اليابانية. وما سينعكس على دولة مثل المانيا في مضاعفة الفترة اللازمة لتحقيق خطة التسليح ودعم المنظومة الدفاعية التي تسعى إليها برلين بعد سقوط خزانات النفط الفنزويلي في يد الولايات المتحدة ، وبعد تحرك الرئيس ترامب بهدف ضم جرين لاند، والذي إعتبره الناتو إعتداء على سيادته.
نتائج فوز حكومة تاكيتشي المتوقعة يمكن تلخيصها في بعض النقاط المهمة . حيث تشمل تسريع الحزمة التحفيزية الداخلية وإعادة توجيه التمويل نحو الاقتصاد المحلي. وتمرير ميزانيات توسعية بسهولة أكبر في البرلمان. وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق والاستثمار بما يخدم الأمن القومي والصناعة المحلية. بالإضافة إلى زيادة الإنفاق الدفاعي والتسليح وتأتي كاستجابة مباشرة لتطورات جيوسياسية إقليمية متسارعة.
اليابان ترى أن البيئة الأمنية لم تعد تسمح بسياسات دفاعية منخفضة الكلفة. هذا التحول يعني مزيدًا من الطلب الحكومي على الصناعات الثقيلة والتكنولوجيا الدفاعية.
في المقابل، يجري تقليص التسهيلات والبرامج الخارجية التي كانت تضخ سيولة خارج اليابان. ويترتب عليه سحب القروض وإعادة توجيهها إلى العمق الياباني، مما سيضغط على السيولة العالمية نسبيًا. لتصبح النتيجة المحتملة هي شحّ نسبي في التمويل الرخيص للأسواق الناشئة وبعض القطاعات عالية المخاطر.
الأسواق تقرأ ذلك ضمن موجة أوسع من “إعادة التموضع الوطني” لدى الاقتصادات الكبرى. ومع ارتفاع عدم اليقين وتقلّب السيولة، تزيد شهية التحوّط لدى المستثمرين. وسيتجه رأس المال كالمعتاد إلى الأصول الآمنة عند ارتفاع المخاطر النظامية. وفي إشارة سريعة للذهب والذي سيشهد موجة صعود جديدة في 2026. هناك تقديرات متداولة تشير إلى نطاق 5000–6000 دولار للأونصة في السيناريوهات المتفائلة. وبموازاة ذلك على السوق المصري، فإنه قد ينعكس الارتفاع عالميًا على السوق المحلية. ما يرجّح تجاوز سعر جرام الذهب في القاهرة حاجز 10 الالاف جنيه خلال 2026.
ثانياً، تحجيم طموحات بكين في شبه الجزيرة الهندية وعبر الحدود الإيرانية الأذربيجانية. ترامب ينتظر نضوج هذا المسار ليضمن أن الضربة لإيران ستكون ضربة لمصالح الصين الاستراتيجية أيضاً. عبر إضعاف حلفائها وإضعاف دوائر نفوذها السياسي والاقتصادي على حد سواء.
"جزر تشاغوس". . الخطأ البريطاني الفادح
تعد جزر شاغوس، وخاصة جزيرتها الكبرى "دييغو غارسيا"، أحد أهم المفاصل الاستراتيجية في العقيدة العسكرية الأمريكية. تكمن أهميتها الفائقة في موقعها المنعزل بقلب المحيط الهندي، مما يجعلها "حاملة طائرات ثابتة" لا تخضع للتقلبات السياسية التي قد تواجه القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط.
الأهمية الاستراتيجية في الصراع مع إيران
تعتبر قاعدة دييغو غارسيا منصة الانطلاق الرئيسية لأي عمليات عسكرية واسعة النطاق ضد إيران لعدة أسباب:
العمق العملياتي: تقع الجزيرة على بعد حوالي 4,000 كم من السواحل الإيرانية، وهي مسافة تضعها في مأمن من معظم الصواريخ التقليدية، بينما تسمح للقاذفات الاستراتيجية الثقيلة مثل B-2 Spirit و B-52 بالإقلاع وضرب أهداف في العمق الإيراني دون الحاجة للتزود بالوقود في الأجواء.
تخزين "مدمرات الخنادق": تضم القاعدة مستودعات ضخمة للقنابل الخارقة للتحصينات (Bunker Busters)، والمخصصة لاستهداف المنشآت النووية الإيرانية المحصنة تحت الجبال.
الاستقلالية السياسية: على عكس القواعد في الخليج العربي التي قد ترفض دولها استخدام أراضيها لشن هجوم مباشر على إيران تجنباً للرد، توفر دييغو غارسيا حرية حركة مطلقة لواشنطن.
سبب غضب ترامب من نقل الملكية
رغم أن الاتفاق البريطاني مع موريشيوس يتضمن "إيجاراً" للقاعدة لمدة 99 عاماً، إلا أن الرئيس دونالد ترامب وصف الخطوة بأنها "عمل غبي بامتياز" و"استسلام تام"، وذلك لعدة مخاوف:
النفوذ الصيني: يخشى ترامب أن سيادة موريشيوس على الأرخبيل ستفتح الباب أمام الصين لبناء منشآت تجارية أو استخباراتية في الجزر المجاورة، مما قد يؤدي للتجسس على الأنشطة الأمريكية الحساسة.
المصداقية السيادية: يرى ترامب أن التخلي عن السيادة البريطانية (الحليف الوثيق) لصالح دولة ثالثة يضعف السيطرة الأمريكية طويلة الأمد ويجعل القاعدة عرضة للمطالبات القانونية الدولية مستقبلاً.
عقيدة القوة: يتبنى ترامب مبدأ الاستحواذ على المواقع الاستراتيجية (كما فعل في طلبه شراء غرينلاند)، ويعتبر "التنازل" عن أي أرض حيوية علامة ضعف تضر بالأمن القومي الأمريكي.
كابوس "البالستي"
لم يعد النووي هو الهاجس الوحيد؛ فالدقة التي أظهرتها الصواريخ الإيرانية في "حرب الـ 12 يوماً" أحدثت صدمة في أروقة البنتاغون وتل أبيب. واشنطن تدرك أن أي ضربة غير "قاضية" ستؤدي لرد انتقامي يحرق القواعد الأمريكية. ويصبح إعلان عن قيام دولة الأكراد والمتوقع أنها ستضم كلاً من أكراد العراق وسوريا وايران وتركيا. بما يهدد أمن و إستقرار كل الدول المذكورة.
وبالنظر للقدرات الباليستية الإيرانية فإن طهران تمتلك أكبر وأكثر الترسانات الصاروخية تنوعاً في الشرق الأوسط، حيث تعتمد عقيدتها العسكرية على الردع غير المتناظر. تشمل قدراتها صواريخ باليستية بعيدة المدى مثل "خيبر شكن" و"سجيل"، القادرة على تجاوز مدايات 2000 كم بدقة عالية (CEP منخفض)، بالإضافة إلى الصواريخ الفرط صوتية (Hypersonic) مثل "فتاح".
خلال مواجهات الاثني عشر يوماً، تجلى التأثير الإيراني عبر استراتيجية "الإغراق الصاروخي"؛ حيث يتم إطلاق أعداد كبيرة من الصواريخ والمسيّرات الانتحارية في آن واحد لإرباك منظومات الدفاع الجوي (مثل القبة الحديدية ومقلاع داوود). أثبتت هذه القدرات قدرة طهران على نقل المعركة إلى عمق الخصم، واستهداف القواعد العسكرية والمطارات بدقة، مما فرض معادلة "توازن الرعب" وجعل أي مواجهة مباشرة باهظة الكلفة أمنياً واقتصادياً.
الخاتمة
إن التحشيد العسكري الامريكي الحالي، رغم كلفته الباهظة، قد ينتهي بـ "اتفاق يحفظ ماء الوجه" في مسقط، أو بضربة "جراحية" تهدف لإضعاف النظام الايراني دون أن يسقط. ولكنه يعد خطوة هامة في سبيل خلخلته تمهيداً لإسقاطه عبر مظاهرات شعبية. الرئيس ترامب لا يبحث عن حرب مفتوحة، بل يبحث عن "سقوط هادئ" لخصومه، ممولاً بأصول الآخرين، ومحاطاً بأسوار من الذهب والنفط والتحالفات الآسيوية الجديدة.
المصادر
1. مجلة Foreign Policy
- اسم الكاتب: ألكسندر غراي (Alexander Gray) - وهو مسؤول سابق في مجلس الأمن القومي الأمريكي.
- تاريخ النشر: 7 أكتوبر 2024
- مضمون الدراسة إعتبر أن التنازل البريطاني عن السيادة لجمهورية موريشيوس هو "خطأ استراتيجي فادح" يفتح الباب للصين لترسيخ نفوذها في المحيط الهندي.
2. صحيفة The Telegraph
- اسم الكاتب: بن رايلي سميث (Ben Riley-Smith) ونيك آلين (Nick Allen).
- تاريخ النشر: 4 أكتوبر 2024
- مضمون التقرير: نقل تحذيرات "صقور" إدارة ترامب من أن موريشيوس، المرتبطة باتفاقيات تجارية مع بكين، قد تسمح للصين بإقامة محطات استطلاع أو موانئ في جزر الأرخبيل الأخرى.
3. تقارير "Diego Garcia: Military Role and Legal Status"
- المصدر: خدمة أبحاث الكونغرس (Congressional Research Service - CRS).
- تاريخ النشر: أكتوبر 2024 عقب الإعلان عن الاتفاق الإطاري، مع ملاحق فنية صدرت في 2025.
- المحتوى: توضح هذه التقارير الطبيعة القانونية "لعقد الإيجار" ومدى إلزامية الاتفاقية للحكومات الأمريكية المتعاقبة.
4. دراسات الكلية الحربية البحرية الأمريكية (U. S. Naval War College)
- اسم الباحث ): جيمس هولمز (James R. Holmes) و توماس مانكن (Thomas G. Mahnken).
- تاريخ النشر: نشرت دراسة موسعة ضمن "Naval War College Review" في يوليو 2025.
- مضمون البحث: ركز على مفهوم "سلسلة اللآلئ" (String of Pearls) وكيف أن فقدان السيطرة المطلقة على أرخبيل شاغوس يكسر حلقة الوصل الدفاعية بين منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
ثانياً: اليابان (بيانات يناير 2026)
تقرير مكتب مجلس الوزراء (Cabinet Office of Japan)
- تاريخ النشر: 20 يناير 2026.
- المصدر: "Monthly Economic Report - January 2026"
- التفاصيل: ركز التقرير على آليات "دعم تكلفة المعيشة" لمواجهة التضخم المستورد، مع تخصيص ميزانية تكميلية لدعم فواتير الكهرباء.
ثالثا : ايران ووحدة الساحات
- تاريخ النشر: منتصف يناير 2026
- اسم الوثيقة: "Fiscal Investment and Loan Program (FILP) for FY2026"
- التفاصيل: تضمنت الجداول المالية المخصصة لـ Green Transformation (GX)، وهي السندات السيادية التي تصدرها اليابان لتمويل التحول للطاقة النظيفة وتقنيات أشباه الموصلات
- معهد الشرق الأوسط (Middle East Institute): دراسة بعنوان "The Evolution of Iran’s Proxy Strategy" تاريخ النشر: ديسمبر 2024.
- مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS): تقرير حول "The Missile and Rocket Inventory of Hezbollah and Regional Militias"
- تاريخ النشر: يناير 2025
- مجموعة الأزمات الدولية (International Crisis Group): تقرير "Iran’s Network of Allies in a Shifting Regional Order"
- تاريخ النشر: نوفمبر 2024
- مؤسسة راند (RAND Corporation): تحليل لـ "Regional Implications of U. S. -Iran Military Escalation"
- تاريخ النشر: فبراير 2025
- دورية "Foreign Affairs": مقال تحليلي بعنوان "The Myth and Reality of Unity of Fronts" - عدد يناير/فبراير 2026
رابعا : الصبر الإستراتيجي الايراني
- معهد بحوث الأمن القومي الإسرائيلي (INSS):
التقرير: "إيران والولايات المتحدة: نحو اتفاق أم مواجهة؟"
تاريخ النشر: 5 فبراير 2026.
المضمون: ناقش التقرير مفهوم "الاستراحة" (Pause) في ظل التحضير لمفاوضات مسقط، محذراً من أن أي اتفاق نووي جزئي سيتجاهل برنامج الصواريخ الباليستية ونفوذ الأذرع الإقليمية.
مؤسسة "راند" (RAND Corporation):
التقرير: "التهدئة الإيرانية الإسرائيلية لن تدوم".
تاريخ النشر: 26 يناير 2026
المضمون: وصف المرحلة الحالية بـ "الاستراحة التكتيكية" (Tactical Pause)، مشيراً إلى أن نتنياهو يرى في هذا الهدوء فرصة لإيران لإعادة تنظيم صفوفها بعد خسائرها العسكرية في 2025.
مجلة "السياسة الدولية" (القاهرة):
التقرير: "إيران بين عامين. . رؤية استشرافية 2025-2026"
تاريخ النشر: 31 ديسمبر 2025
المضمون: تحليل مفصل لتحول "حرب الظل" إلى مواجهة علنية، وتغيير أولويات طهران الدفاعية لحماية الداخل بعد عمليات استهداف المنشآت.
التعليقات