بون شاسع بين هذين المصطلحين، ثقافة المعايشة ، أي السطحية فى التعامل مع كل منتوج ثقافي وعدم الاهتمام بكل ما يقدم ، وأخذ ما يقدم بسلبية ولا مبالاة وعدم تفاعل أو إبداء رأي .
أما معايشة الثقافة ، فهو مصطلح دقيق بمعنى الوقوف على كل ما يقدم من مشاريع ثقافية ، بل وتؤخذ مأخذ الجد ، يعايشها قلبا وقالبا ، يتعايش مع الثقافة ويكون عضوا فاعلا له رأي يبديه في كل ما يتعلق بصنوف الثقافات المختلفة.
ضرورة ملحة أن نطرح سؤالا قد يكون مهما من وجهة نظر الكاتب على الأقل.!
هذا السؤال ، متى يحدث حراك ثقافي حقيقي بعيدا عن زخم اللقطة والبذات الماركات ، والسجاد المختلف ألوانه، وأفخم أنواع المأكولات والمشروبات التي تقدم فى الندوات والمؤتمرات والمهرجانات التي تنفق عليها آلاف الجنيهات.؟!
للإجابة على هذا السؤال الجاد الذي طرحه الكاتب ، لابد من السعي الحثيث إلى وجود آليات جديدة للنهوض بواقعنا الثقافي المحلي والإقليمي ، واقع من خلاله ننطلق نحو إحداث صحوة ثقافية تليق بما نصبو إليه من تحقيق المواكبة والمعاصرة لصنوف الثقافات العالمية المختلفة التي استمدت أفكارها من مثقفينا الأشاوس عن طريق استقدامهم إلى بلدانهم ، أو الاهتمام بمؤلفاتهم والغوص في بطونها مستفيدين منها في تدشين صروحاتهم الثقافية.
الآلية الأولى، الاهتمام بالجوهر ، بمعنى الاهتمام بما هو مكتوب ، وما يقدم للمتلقي من صنوف الثقافات ، سواء فى الأدب أو الشعر ، أو القصة ، أو المقال، أو الموسيقى ، وفنون الزخارف المختلفة.
بمعنى آخر ، العكوف بجدية على تراثنا الثقافي والغوص في بطونه وتحليله وإعادة هيكلته وإخراج ما به من درر مكنونة.
ثم لا نهتم بالصورة فقط ، كمن يضع عظيم المؤلفات في صنوف المعارف داخل مكتبته حتى يجمل بيته أو حتى يقال أنه مثقف ، وإذا ما سئل عن ما في بطون هذه المؤلفات فلا يعرف عنها شئ ، وهذا ما يمكن أن نطلق ثقافة المعايشة ، يضع الكتب والمراجع والمصادر حتى يقول الناس عنه أنه مثقف وهو أبعد ما يكون عن الثقافة.
الآلية الثانية ، استحداث برامج ثقافية تطلق عبر منافذ معتبرة ، برامج يستفيد منها المتلقي ، لا على مستوى الإعلام المسموع والمقروء والمرئ فقط ، وإنما من خلال جميع مؤسسات الدولة فلابد من وجود برامج ثقافية تأهيلية لجميع كوارد موظفين الدولة لإطلاعهم على كل ما هو جديد في مجال الثقافة المحلية والإقليمية والعالمية.
وضرورة ألا يكون تعاطي هذه الأمور والتعامل معها على سبيل الترفيه والتسلية وتضييع الوقت ، وإنما من خلال تقييمات تتم لكل موظف توضع لها درجات في نهاية كل عام وظيفي وتكتب عن ذلك تقارير تقيمية بعيدا عن الوساطة والمحسوبية، وهذا ينقلنا من حالة ثقافة المعايشة إلى معايشة الثقافة.
الآلية الثالثة ، فإنه من وجهة نظري ، ضرورة أن يعقد اختبار في فنون الثقافة المختلفة لكل من ينتوي التقدم لوظيفة ما سواء حكومية أو قطاع خاص ، وكل من ينتوي للتقدم للالتحاق بالجامعات ، فبعد ورود بطاقة الترشيح للمتقدم تجرى له اختبارات فى الثقافة ، مثل التي تتم في اختبارات القدرات فى كليات التربية الرياضية والكليات العسكرية وأقسام اللغات فى كليات العلوم الإنسانية ، فإلى جانب اختبارات القدرات لابد أن يكون هناك اختبارات صارمة يترتب على الإخفاق فيها الاستبعاد من الوظيفة أو الكلية المتقدم لها الطالب.
وإذا ما حدث ذلك وتم تفعيله حتى وإن استغرق بعض الوقت لتحقيقه فإن ذلك سيحقق ما نصبو إليه ونتحول بمجتمعنا من مجتمع متعايش مع الثقافة إلى مجتمع يعيش الثقافة قلبا وقالبا ، جملة وتفصيلا.
الآلية الرابعة، الاهتمام بقصور الثقافة المنتشرة في جميع محافظات الجمهورية ، ليس هذا وحسب بل زيادة هذه الأماكن لتشمل القرى والنجوع ، فكيف بشاب أو فتاة فى الأرياف سيستطيعا الذهاب إلى حضور أمسية ثقافية في قصر ثقافة يبعد عن مكان إقامتهم بمسافات بعيدة ، فبالضرورة لن يذهبوا ، فلماذا لا نذهب إليهم حتى ولو بسيارات متنقلة تحمل كتبا وتعقد لقاءات في أماكن مفتوحة لنشر الثقافة في ربوع البلاد.
الآلية الخامسة، الاهتمام بعقد فعاليات معرض الكتاب الدولي مرتين فى العام ، صحيح أن ذلك سيستغرق وقتا طويلا وجهدا كبيرا وأموالا كثيرة ، لكن في سبيل إحداث صحوة ثقافية يبذل العرق والجهد وينفق المال ، مرتان ، مرة فى الشتاء ، وأخرى فى الصيف ، وليس بالضرورة أن يكون في أرض المعارض ، فمن الممكن عقده مرة في أرض المعارض ، ومرة أخرى في مكان حيوي يكون جاذبا للسياحة.
الآلية السادسة ، التنبيه إلى خطورة مواقع التواصل الاجتماعي ، والتأكيد على أنه ليس كل ما يقدم فيه يفيد الثقافة ، فليس كل ما يتم نشره مأمون الجانب ، لا أقول فى الثقافة الدينية ، بل في كل صنوف الثقافات المختلفة ، خصوصا ما ظهر مؤخرا بما يسمى بالذكاء الاصطناعي الذي إذا ما أسيئ استخدامه ستكون طآمة كبرى على واقعنا الثقافي المعاصر ، وسيؤدي ذلك إلى خلق حالة من التواكلية وابتعاد عن مكتباتنا لأن قليل من الناس من يختار الأصعب ، لكن الغالبية الأعم تفضل السهل.
وفي هذا فعلا التحول بالمجتمع من ثقافة المعايشة إلى معايشة الثقافة.
الآلية السابعة ، الاهتمام بعقد المؤتمرات والندوات والمنتديات والصالونات الثقافية الحقيقية ، واعطاء الفرص لاكتشاف المواهب الجديدة في شتى صنوف الثقافات المختلفة.
وافراد مساحات واسعة من الوقت لإدارة حوار ثقافي بناء بين الجميع.
إذا أردنا حقا تحقيق صحوة ثقافية تتماشى مع واقعنا المعاصر الذي نعيشه فلابد من البحث عن سبل تحقيق ذلك من أجل تحقيق ما نصبو إليه من تنمية مستدامة.
أستاذ الفلسفة بآداب حلوان.
التعليقات