يحاول كل إنسان منّا أن يفهم نفسه، حتى يستطيع أن يفهم مَن حوله. ونحن نمر في حياتنا بأطوارٍ عديدة، فقد نجد أنفسنا في مرحلةٍ ما ننظر إلى الأمور بطريقة مغايرة لِما اعتدنا عليه من قبل. ربما ذلك هو النضج! ولست هنا أتحدث عن حكمة أدّعيها، وإنما هي مجرد خواطر شخصية أود مشاركتها معك عزيزي القارئ. فمن الأشياء التي كنت لا أفهمها هو أن أجد أناسا شغلهم الشاغل هو تقييم الآخرين وإصدار الأحكام المطلقة عليهم، بل والمسارعة إلى تكوين انطباعات غير حقيقية عنهم.
والأدهى من ذلك أنهم ينتظرون من الآخرين دائمًا أن يبرروا ويشرحوا مواقفهم وكأنهم في موضع اتهام مستمر. وما أكثر هؤلاء!
في واقع الأمر، وعندما رأيت الصورة بشكل أكثر نضجًا بسبب تكرار المواقف معي أو مع غيري، أدركت وقتها أننا كنّا ضحية لهؤلاء. لقد كنّا نعتقد أنه لا مفر من أن نعيش في تلك الحالة المستمرة والمرهِقة في شرح المواقف وتبرير وتفسير للأمور. لقد أيقنت أن تلك النوعية من الشخصيات تعاني في داخلها من تشوهات نفسية تجعلهم يرون الأشياء بمنظورهم الخاص تبعًا لأهوائهم الشخصية. إن مِثل هؤلاء يتفنون في إصدار الأحكام على الآخرين، فهي وسيلتهم في الحياة ليشعروا بالأمان.
يقولون "إنك إذا عرفت نفسك، فلا يضرك ما قيل فيكَ"، ولذلك توقفت منذ فترة طويلة عن إهدار الوقت الثمين في الشرح والتوضيح لمِثل هؤلاء. إن من يتمتع بالسواء النفسي والتجرد ويُحسن النية فستكون مشاعره صادقة، سيُقدر مميزاتك ويتغاضى عن عيوبك، أما من كان في قلبه مرض فلا سبيل لمرضاته أبدا! إننا في هذه الحياة نحاول أن نعثر على من يشبهنا، وبالرغم من صعوبة ذلك إلا أن الأمر من وجهة نظري يستحق عناء المحاولة في هذا العالم المضطرب. وإن أكبر هدية يمكن أن نقدمها للآخرين هي أن نتوقف عن إصدار الأحكام المطلقة عليهم.
إننا نُكابد الأيام ونحاول أن نُرمم التصدعات التي تصيب نفوسنا. ولدى كل منّا أمنيات منها ما تحقق، ومنها ما نرجو أن يتحقق، وما علينا إلا أن نتمسك بالأمل لأننا استودعنا تلك الأمنيات عند ربٍ كريم. هكذا هي الحياة، فالأسئلة فيها كثيرة، والإجابات قليلة! فينبغى لنا أن ننقذ ما تساقط منّا في زحام العمر، وأن نسعى إلى التعلم من أخطائنا، ونُحسن الظن بالآخرين، وأن نجعل جبر الخواطر عادة لا تفارقنا. ويكفي أنني لم أعُد مضطرا لهدر طاقتي وإضاعة وقتي في التفسير والتبرير لأصحاب تلك النفوس المظلمة، كما أنني توقفت عن خوض النقاشات العقيمة التي تسبب الإحباط!
التعليقات