مررتُ مؤخرًا بتجربة إنسانية عميقة ورائعة في أبعادها، بالرغم من ألامها. تحولت فيها المحنة إلى منحة، وجعلتني أري الحياة بعيون جديدة، وأدرك نِعَمًا طالما اعتبرناها مسلّمات ولم ندرك قيمتها الحقيقية فتركناها لنبحث عن غيرها وإن كان سرابًا.
في الآونة الأخيرة، بدأ يتسلل إليّ إحساس ثقيل بالإجهاد الجسدي والنفسي. أصبحت التفاصيل اليومية روتيناً مرهقاً يُفرغ الروح من شغفها، ولم أجد تفسيراً لذلك سوى أنه قطار السن الذي يمضي بنا، مستنزفاً مخزون الطاقة تدريجياً. كنت أظن أن هذا الثقل هو سقف المعاناة، وأن زحام الأفكار والتعَب هو كل ما في الأمر، حتى حدث ما لم يكن في الحسبان.
سقوط مفاجئ، التواء في القدم، وقرار طبّي صارم: "الراحة التامة في الفراش لمدة أسبوعين، قابلة للزيادة" مع آلام رهيبة يئن تحتها الجسد الواهن.
في لحظة واحدة، توقّف كل شيء، تغير المسار، واختفت تلكم الهموم التي كنت أراها كبرى، لتحل محلها حقيقة جديدة وأكثر قسوة: العجز التام عن الحركة، وحتى عن أداء أبسط الاحتياجات الشخصية اليومية.
هناك، وسط صمت الغرفة وقيد الفراش، بدأت رحلة من نوع آخر.. رحلة إعادة اكتشاف النعم. لقد أدركتُ أننا نعيش غارقين في بحر من "النعم الصامتة"؛ نعمٍ عادية جداً لدرجة أننا لا نشعر بها ولا بنبض أهميتها إلا حين نفقدها.
تساءلتُ وأنا أصارع قيد الحركة: هل تفكرنا يوماً في نعمة أن نتقلب في الفراش على الجانب الذي نريده دون ألم؟! أو أن ننهض من مجلسنا في أي لحظة نشاء دون استئذانٍ من جسد مكروب؟ هل استشعرنا يوماً جلال النعمة في أن نمنح أجسادنا الإذن للانحناء لالتقاط شيء سقط منا على الأرض؟
إن أثقل ما في هذه التجربة ليس ألم القدم، بل هذا الشعور المعنوي بالاعتماد الكلي على الآخرين لتشعر أنك فقط "على قيد الحياة".. هو إحساس يُربك الكبرياء الإنساني، لكنه في الوقت ذاته يوقظ في النفس امتناماً لا حدود له لكل مَن يمد يد المساعدة، ولكل تفصيلة صغيرة في أجسادنا كانت تعمل في صمت دون أن نشكرها.
إن هذا الالتواء ليس مجرد إصابة عابرة في القدم، بل كان "استقامةً" في الرؤية. لقد أخذتني هذه المحنة بعيداً عن زحام الأفكار السلبية والإجهاد الروتيني، لتقول لي إن القيادة الحقيقية لحياتنا تبدأ من إدراك القيمة.
يجب أن ننتقل بمنظورنا لتقييم كل ناحية من نواحي حياتنا، وأن نمنح كل تفصيلة صغرى ما تستحقه من التقدير والامتنان.. قبل أن ينال منا التواء، أو تتوقف بنا الخطوات.
إلى كل من يقرأ هذه الكلمات وهو قادر على المشي، على النهوض، على التقاط أشيائه بنفسه: ألقِ نظرة على جسدك، استشعر حريتك في الحركة، واحمد الله على النعم التي تحسبها "أشياء عادية"، فهي في حقيقتها معجزات يومية غالية.
التعليقات