عند انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945 باستسلام ألمانيا واليابان كنا نقيم في شقه أرضية بشارع حمودة على بُعد أمتار من ركن الجدار الجنوبي الغربي الخارجي لقصر عابدين لعدم وجود وقت عودتنا من بريطانيا لشقه خاليه في عمارة جدي) 24 شارع مصطفي كامل - حي عابدين (وكان عمري في ذلك الوقت ثلاثة سنوات وأخي سامي عام)، وقد شغل والدي وظيفة مساعد أستاذ بكلية تجارة القاهرة.
وخلال الشهور الإحدى عشر التي قضيناها في هذه الشقه ولدت شقيقتي ملكه ١٩٤٥/١١/٢٧ (وحدث موقف صادم للوالدة عندما قامت بنشر غسيل الأسرة على المنشر المثبت خارج شرفة الشقة وكما ذكرت كانت شقة أرضية وإنهمكت في رعايتنا وإعداد وجبة الغذاء وقبل عودة والدي من الجامعة دخلت الشرفة لتجميع الغسيل لتكتشف سرقته بالكامل وهو ما شكل صدمة وخوف دفعها لغلق النوافذ بالكامل بعد ذلك طول إقامتنا في هذه الشقه وعند تواجد الوالد في الخارج.
صدر قرار بتكليف الوالد بالسفر لواشنطن ممثلا لمصر في صندوق النقد الدولي . فسافر بمفرده لاختيار سكن مناسب للأسرة وانتقلنا نحن للعيش بشقة عمتي بالطابق الأرضي بعمارة جدي لمدة حوالي أسبوعين ثم سافرنا للحاق بالوالد حيث أقمنا بفيلا صغيره بحي تكوما بارك بميريلاند الملاصقة لواشنطن لمدة ثلاثة سنوات خلالها ولدت شقيقتي نادية) ١٩٤٨/٦/٢ (كما دخلت أنا الحضانة بمدرسة قريبة من سكننا.
عدنا لمصر نهاية 1949 حيث تولى الوالد منصب مندوب البنك الدولي بأفريقيا وأقمنا عامين بشقة بالطابق الثاني بعمارة جدي بشارع مصطفي كامل بحي عابدين خلالها اصطحبني والدي لمشاهدة الملك فاروق ملك مصر أثناء خروجه من بوابات قصر عابدين في سيارته الحمراء كما اصطحبني لمشاهدة استعراض مراسم المحمل والخاصه بشرف تصنيع كسوة الكعبة المشرفة بمصر ونقلها في عرض عسكري مهيب يبدأ من أمام قصر عابدين أمام ملك مصر والذي كان يقف بالشرفة الكبيرة المطله على ميدان عابدين لمتابعة مراسم العرض العسكري بعد ذلك يسافر وفد رفيع المستوى مع الكسوه والزكيبه إلى مكة المكرمة لتسليم الكسوة الجديدة.
أثناء حياتنا بعابدين ارتبطنا بصداقات بكل من حولنا وبجيراننا بعمارة جدي ومنهم طارق محرم والذي أصبح بعد أربعون سنة عضو مجلس إدارة النادي الأهلي الرياضي. والخواجه / يني صاحب محل بقالة ممتاز داخل مبنى سوق باب اللوق وهو سوق كان يمتاز بالنظافة والتنسيق وحتى الروائح الجذابة للمنتجات الغذائية والبقالة وهو السوق الذي كنت أرافق والدتي إليه لشراء طلبات المنزل.
كما ارتبطنا بصداقات بأصحاب المتاجر المحيطة بنا وبالذات بائع الحلوى والملبسات والشيكولاتات. وصاحب محل حياكة القمصان والبيجامات والجلاليب وكان اسمه القاضي.
أذكر أنه عندما كان يمرض أحد أفراد الأسرة كنت أذهب مع الوالد لصيدلية مجاورة لسوق باب اللوق وكان الوالد يقدم الروشيته للدكتور الصيدلي الذي كان يطلب منا الجلوس حتى يقوم بتركيب الدواء المطلوب وكانت عملية دقيقة ومعقدة حيث كانت بجميع الصيدليات معمل مجهز بأنابيب وزجاجات مختلفة الأشكال والأحجام فيقوم الصيدلي بتنفيذ تركيب الدواء الموصوف بالروشيته من الصفر ملتزم بمقادير دقيقة ثم يصب ما قام بتركيبه في زجاجة منفصلة وبعد سد فتحتها بفلين يقوم بلصق تكت على زجاجة الدواء ويكتب عليها تفاصيل محتواها وأسلوب تناول الدواء.
كان بواب العمارة اسمه عم علي وزوجته أم محمد والتي تولت غسيل ملابس الأسرة ومهام أخرى لمدة أربعون سنة بعد ذلك.
مدرستي كانت قصر الدوبارة بشارع القصر العيني والقريبة من مقر مجلس الوزراء والأغنيه التي كنت أرددها كل يوم مع الفصل أذكر أولها (الله في علاه يحرسو كل الناس …).. كنت كلما سمعت صوت مزمار قادم من الشارع أعرف أنه إما خواجة بثلاجة صندوق ودراجة يبيع الجيلاتي أو رجل يحمل مسرح صندوق الدنيا والذي كنا نستمتع بالجلوس على دكة صغيرة ويتم تغطية نصفنا الأعلى بقماشة ويتم عرض عرائس وأشكال متحركة ببطئ لتعبر عن قصة قصيره مقابل تعريفه أي نصف قرش.
أذكر وجود عمودين ضخمين على جانبي شارع الشيخ ريحان عند تقاطعه مع شارع نوبار باشا (التروماي) أمام مبنى وزارة الداخلية وهي كانت خاصة ببوابة ضخمة كانت منذ زمن تغلق ليلا على حي عابدين.
انتقلنا أوائل عام ١٩٥١ للسكن بفيلا بالمعادي (تقع على ناصية شارع ٧٧ وشارع ١٤ ب) وكان لهذه الخطوة أجمل الأثر في نفوسنا جميعا خصوصا نحن الأطفال يعلم الله سعادتنا كانت في قمتها لأن الفيلا كانت محاطة بحديقة وبها عدة أشجار كبيرة (بونسيانا ردجي - جاكارندا) بينما سور الحديقى الأخضر كان به عدة أشجار جازورينا عملاقة وحشائش الحديقة محاطه بأحواض بها الزهور الجميلة القطيفة ذات الألوان الصفراء والبرتقالية Mornig Glory وجيراننا عائلة النابولسي الفلسطينيه المشهورين بصناعة الصابون بالزيت الزيتون وعائلة الغصيني الفلسطينية وقد ارتبطنا بصاداقات مع أولادهم وبناتهم نوال ومني ونمر النابولسي وبشار وبشري الغصيني دامت لسنين طويلة حتى بعد إنتقالنا للسكن بشارع الطلمبات بجاردن ستي عام 1955 وخلال السنين الخمسة التي عشناها بالمعادي كانت أهم الأحداث التي مرت بها أسرتنا هي:
ولادة شقيقتي أمال ( ١٩٥٣/٤/١٦) بمستشفي الأنجلوأميريكان . وخلال وجود والدتي بالمستشفي قام الوالد برعايتنا وتلبية كل مطالبنا ومنها طهي حلو كريم كاراميل والذي كان رفيع المستوى من جميع الأوجه.
صباح كل يوم كانت تدخل حديقتنا فلاحة من القرية المجاورة لنا تجر جاموسة فنقدم لها مقعد منخفض وحله فتحلب الجاموسة حتى تمتلئ الحله وتتسلم المقابل المادي وتخرج لنقوم بغلي اللبن ثم نترك اللبن يبرد بعد ذلك نقوم بفصل طبقة القشطة السميكة ونلتهمها فورا بالعسل الأسود .
تم بناء عشه كبيرة بالحديقة وخلال إقامتنا بالفيلا قمنا بتربية العديد من الكائنات الأليفة) دجاج رود أيلاند والذي كنا نجمع بيضه صباح كل يوم لنتناوله ضمن وجبة الفطار - دجاج الوادي ذو القرن وألوان ريشه أسود مغطى بالكامل بنقط بيضاء وكان هدية من وزير الزراعة الدكتور المحروقي . دجاج بكيني - بط - أرانب آنجورا البيضاء الضخمة.
الوالد أعلن أنه مع احتفالاتنا بالمولد النبوي الشريف وعيد الفطر وعيد الأضحى سنحتفل دائما بالكريسماس تكريما للوالدو التي تركت وطنها وأسرتها وأسلمت فاحتفالنا معنوي لا علاقة له بالدين وهدفه إسعادها وإسعادنا بالهداية والزينات .
معظم سنين حياتي بالمعادي كنت أعاني معاناة قاسية جدا من الأمراض الصدرية لدرجة أنه في إحدى المرات لازمت الفراش حوالي ثلاثة شهور، إتضطررت لإعادة العام الدراسي بعد ذلك ( كان والدي وزوج عمتي كثيرا ما يصلوا بجوار سريري وكان واضح حالة الخوف المرتسمه علي وجه والدتي ووالدي وقد تولي علاجي زوج عمتي الدكتور عبد المجيد غنايم فكان يحضر مساء كل يوم من عابدين لحقني بحقنة بنسيلين ) كانت الحقن وقتها زجاجية يتم غليها لعدة دقائق ثم يتم سحب الدواء فيها ثم يتم الحقن (كما كانوا مساء كل يوم يغطوا صدري بقطعة قماش من القطن ثم تقوم الوالده بغلي ماء بجوار سريري تضع فيه علبه معدنيه بها دواء عباره عن عجينه إسمها أنتي فلوجيستين فتخرج العلبه بعد تسخين محتواها وتفتحها ثم بمسطح معدني يشبه السكينه العريضه تقوم بفرد العجينه بالتساوي علي القماشه التي تغطي صدري وفور إتمام هذه المهمه تقوم بتغطية كامل المسطح بقماشه ثانيه قطنيه طويله تلتف حول صدري وظهري ويتم ربطها وأرتدي البيجامه ويتم تغطيتي في فراشي لأنام الليل وفائدة هذه العجينه أنها تفرز مواد تخترق جلد الصدر لتبلغ الرئه فتقوم بطرد البلغم وتوسيع الشعب الهوائيه.
كما كنت أشرب ماء ورق الجوافه المغلي وماء اللبان الدكر . وأستنشق بخار صبغة الجاوي .
كنا نمتلك كلبه أصيبت بالسعر بسبب دخول كلب بلدي مريض لحديقتنا فكانت النتيجه أنها عقرتني وعقرت أمال وأم محمد فتم إعدام الكلبه ونقلنا نحن الثلاثه كل يوم الساعه ١٢ ظهرا لمدة واحد وعشرون يوما لمستشفي الكلب لحقننا في البطن .
1954 صدرت الصحف لتعلن تعيين الدكتور عبد المنعم القيسوني وزيرا للمالية ليكون أصغر وزير سنا يتولي منصب وزاري 34 سنة وتم وضع كشك حراسة أمام المنزل وسياره كاديلاك رقم ٦ ملاكي القاهرة.
كانت الوالدة بارعة في الطهي وفي حياكة ملابسنا .
كانت المواصله الرئيسية في تنقلاتنا بالمعادي هي الدراجات والدتي وأنا وكان المشوار الرئيسي هو الذهاب لجمعة البقال والذي كان متجر صغير الحجم لكن به كل المطلوب .
كانت طيور الحدأه السوداء الجارحة والكبيرة الحجم نشاهدها يوميا تحوم في سماء المعادي وكانت أحيانا تهاجم ما يحمله الفلاحين من طعام على رؤوسهم وهي هجمات كانت تسبب جروح وإصابات للفلاحين.
قام الرئيس محمد نجيب بزيارة المعادي وتم استقباله بحفاوة من المواطنين وقام والدي بتقديمي له حيث صافحته، كان رجل دمث الأخلاق.
كنت أرافق الوالد لصلاة الجمعه بمسجد الفنان حسين صدقي والذي تم بنائه بجوار سكنه الغالب عليه اللون البنفسجي بموقع قريب من كورنيش المعادي . كان الخطيب أثناء إلقاء خطبة الجمعه يمسك سيف من الخشب وهي عاده توقفت تماما بعد ذلك.
بسبب منصب الوالد حدث تغيير واضح في معاملات زملائي لي فسمعت لأول مره تعبير (هو فاكر إنه عشان أبوه وزير يقدر …)، وهو ما شكل صدمة لي في طفولتي حيث حدثت عدة توابع مبالغ فيها منها المبالغه في عقابي كمثل أمام المدرسه بالكامل في طابور الصباح لإشتباكي مع زميل في الفصل وهو أمر طبيعي بين الأطفال لكن أن يستدعيني ناظر المدرسه لأن والد الطفل الذي تعاركت معه حضر وطلب معاقبتي حتى لا أعتقد أنه لأن والدي وزير يمكنني ضرب ولاد الناس كما قيل لي وتمت معاقبتي بخزرانة وسط طابور المدرسة بالكامل.
وكانت نتيجة هذا الحادث أنني فضلت العزلة ومقاطعة زملائي وهو تصرف دام مدى حياتي حيث لم يكن لي أصدقاء . لكن كان لي بعد سنين طويله زملاء في السلك العسكري دفعتي بالكلية الحربية وزملاء حاربت معهم .
والدي كان ضمن فريق الجوالة بتجارة جامعة القاهره وكان يحب الصحراء فيأخذنا سامي وملكة ونادية وأنا صباح كل جمعه إلى الصحراء المحصوره بين المعادي وجبل المقطم ويشجعنا علي العدو هنا وهناك وإنتقاء الأحجار وقطع السيليكا ويطلب منا الوقوف صف أمامه ويطلب منا مد الأذرع للأجناب ثم رفعها ببطئ من أسفل إلي أعلي وهو يقول شهيق لنستنشق هواء الصحراء العليل حتى تمتلئ الرئه ثم يطلب منا إنزال الأذرع الممدوده إلي أجنابنا ببطئ وهو يقول زفير فنخرج ثاني أكسيد الكربون من صدورنا ببطئ وكان يقوم هو بنفس هذه الحركات أمامنا لنقلده عدة مرات . كانت فسحه ممتعه لنا .
في مناسبات المولد النبوي الشريف وعيد الأضحي وعيد الفطر كنا نحتفل مع عمتي وزوجها ونجلهم عمرو بالجلوس في الحديقه واللهو ثم تناول الغذاء إما علي التراس الكبير بالحديقه أو بالسفره داخل المنزل حسب الجو وكانت عمتي تهدي كل منا نحن الأطفال عيديه عباره عن خمسن وعشرون قرشا عمله ورقيه جديده كانا نسعد جدا بهذه العيديه.
كنت أمارس رياضة السير مع الوالد لمسافات طويله فكنا نمر بجوار معسكر قوات الهجانه بجمالهم وملابسهم المميزه ونعبر قضبان السكه الحديد في إتجاه كلية فكتوريا والقمر الصناعي حيث الصحراء وملاعب جولف نادي المعادي الرملية فنتجول بهذا القطاع ثم نعود .
في يوم إرتكبنا سامي وأنا تصرف أغضب الوالده فإتصلت بوالدي في مكتبه وإشتكت له فطلب منها إخطارنا أنه سيشتري خرزانه وسيعاقبنا بها عند عودته من المكتب . وفعلا شاهدناه يدخل المنزل ومعه الخرزانه ونظر لنا بغضب وطلب منا خلع الأحذيه والجوارب والجلوس علي أرضية غرفته مع إسناد ظهورنا علي الحائط ومد السيقان للأمام ثم طلب منا وضع أقدامنا العاريه بجوار بعض بهدف توفير مجهود الضرب أي كل ضربة خيزرانه تصيب أسفل أقدامنا الأربعه ) فهو خبير إقتصاد ( كل هذا أمام والدتي والتي كان واضح علي وجهها الذهول والخوف من تصرف والدي الغير عادي ودون مقدمات إنفجرنا نضحك سامي وأنا لأننا شعرنا أن الوالد غير جاد وبالطبع ضحك الوالد وطلب منا الإعتذار للوالده وتقبيلها وهو ما تم وتم فيما بعد التخلص من الخيزرانه .
كان منزلنا على مسافة حوالي نصف كيلو من قريه ما سمح لنا التواصل مع سكانها والاعتماد على منتجاتهم والتعرف على عمدتهم وكان اسمه / الفضل وأيضا مشاهدة بعض من تقاليدهم الجميلة والتي للأسف الشديد إندثرت تماما اليوم ومنها زفة العروسة فكان حظنا رائع حقا للاستمتاع عدة مرات بمشاهدة زفة العروسه الفلاحي حيث كنا نسمع زغاريد وتسقيف وطبل ومزمار فنخرج بسرعه لنقف أمام مدخل منزلنا لنشاهد فرقه موسيقية بالجلاليب وعدد كبير من الأطفال والكبار بملابس جديده ملونه وكلهم بإبتسامة مشرقه سعيده يتراقصوا ويصفقوا ويغنوا ووسطهم جمل عليه هودج أو محمل ذو قماش ملون جميل واضح أن داخله العروسه وخلف الجمل حوالي خمسة عربات كارو يشدها حمير حول رقبتها زهور ومحمله تماما بعفش ومنقولات منزل العروسه وفتيات يجلسوا أعلي العفش يزغردوا ويغنوا ويصفقوا وكل هذه الزفه المفرحه تمر أمام منزلنا ببطئ ما كان يسعدنا فنصفق ونندمج مع فرحتهم .
في الصيف كنا نتجه إلى فندقنا المفضل ) كبانون جبل عتاقه ( بالسويس على ساحل خليج السويس وعند إتمام تحميل الحقائب ومستلزمات الأجازه بالسياره تركب الأسره السياره وأتحرك مع والدي لداخل المنزل حيث يكون الأثاث مغطي بمفروشات فنشعل أقراص DDT لينتشر دخان وذرات هذه المادة) والتي حرمت دوليا بعد ذلك (وتنتشر في أرجاء الغرف بغرض منع الحشرات من دخول المنزل أثناء أجازتنا.
التعليقات