قرر (ماسبيرو) إعلان الحرب على الفئران، بدأ بالخطة رقم (1) وضع السم فى الأكل، تأقلمت القطط على تذوق السم وبدأت تلتهم الطعام بنهم أكثر، انتقلنا للخطة رقم (2) تجويع القطط المنتشرة فى الاستوديوهات، أعرف السؤال ما ذنب القطط؟ اكتشفوا أن المذيعات بسبب رهافة مشاعرهن، يحضرن أكلًا للقطط، وما يفيض من بقايا القطط تتغذى عليه الفئران، وعلى هذا قرروا ضرب المصدر الرئيسى، وأصدر المسؤول قرارًا بمنع المذيعات من إحضار الطعام.
الطبيعة لها أسلحتها لتحقيق التوازن البيئى، المفروض أن الفئران هى طعام القطط المفضل، وبدلا من مطاردتها للهروب من ماسبيرو، عليهم أن يحفزوها للإقامة الدائمة فى الاستوديوهات، أعلم أنه قد صار هناك قدر من التعايش السلمى بين القط والفأر، إلا أنه لايزال ما فى القلب فى القلب، ولا يأمن الفأر من غدر القط.
لم يعد الأمر مقصورًا فقط على الفئران انتشرت أيضا القوارض مثل (العرس) بكسر العين، وفى قول آخر الثعابين بالطبع كل أنواع الحشرات، ذهبت إلى الفندق المرصع بـ7 نجوم الشهير بـ(ماسبيرو).
رصد تلك المعركة قبل يومين زميلى الصحفى المجتهد محمد طه على صفحات (المصرى اليوم)، وعلى الجانب الآخر أضاف المسؤولون أسلحة عصرية للمقاومة، وهو ما يعرف بـ(الذبذبات الصوتية)، بمجرد سماعها المفروض أن تفر الفئران هاربة مستغيثة، من هول تلك الأصوات، وتسارع بمغادرة المكان ولا تعود إليه مجددًا، هل تلك هى المحاولة الأولى لإعلان (ماسبيرو خالى من كل أنواع القوارض)؟ دعونا نقلب معًا بعض صفحات الماضى، كان (ماسبيرو) هو وجهتى الأولى عندما بدأت مشوارى الصحفى فى روزاليوسف- نهاية السبعينيات وأنا لا أزال طالبًا فى كلية الإعلام.
يوميًا أنا متواجد فى ماسبيرو، ما عدا الإجازات الرسمية، ووقتها لم أكن أحمل بطاقة تشير حتى إلى أننى تحت التدريب فى المجلة، المعضلة الأصعب ليس لدى تصريح لدخول المبنى، ورغم ذلك كنت أجد من يمنحنى الوثيقة المطلوبة، وأذكر منهم الكاتب والإذاعى القدير الراحل بهاء طاهر وكان رئيسًا للبرنامج الثقافى كان يطلق عليه وقتها (البرنامج الثانى)، ومن صلاحيات منصبه وضع أسماء الممثلين للأداء الصوتى فى المسرحيات العالمية، فكان بين الحين والآخر يضيف اسمى، وبهذا التصريح أستطيع التجول على راحتى داخل المبنى.
كان الحديث لا ينقطع عن انتشار الفئران فى كل المكاتب ولا يوجد مسؤول إلا وأكد أنه (لا فئران بعد اليوم)، رغم أنهم أقصد بالطبع الفئران يذهبون فرادى وجماعات إلى حجرة الأرشيف، ينجذبون إلى رائحة تلك الأشرطة ولا يكتفون بالشم فقط، تنفتح شهيتهم، يلتهمون عددًا منها، ضاعت على الوطن تسجيلات نادرة تحت أسنان الفئران.
فشلنا على مدى عقود فى وضع حل جذرى للمواجهة، ولا أعتقد أننا سنحقق شيئا هذه المرة أيضا، تبدأ الخطة فى البداية بقدر لا ينكر من الانضباط، ثم وكالعادة يومًا أو اثنين وتكتشف أن تلك الذبذبات المنفرة، التى أطلقوها على الفئران صارت تحدث فى أذن الفئران نشوة مثل تلك التى تحققها موسيقى موتزارت وبيتهوفن وعبدالوهاب والرحبانية فى آذان السميعة.
(ماسبيرو) هو صرحنا العظيم الذى فرطنا فيه، لا توجد خطة حقيقية لانتشاله من الضياع، هل هناك مثلا ميزانية لإنتاج برامج؟ الإجابة ولا الهوا، المحطات الفضائية حولنا يزداد نشاطها، مصرية وعربية وتجد معادلات إنتاجية موازية تتيح لها أن تقدم الجديد والمبهر، بينما تليفزيون الدولة يترنح، حتى أمام الفئران!!.
التعليقات