هل نريد من العمل الدرامى أن يحاكى خطبة الجامع وعظة الكنيسة، ليقدم للناس الحكمة والموعظة الحسنة؟ لا أنكر أن قطاعا وافرا من الجمهور يريده كذلك، رغم أن فى هذا البناء الصارم، والالتزام الحرفى بإنزال أشد عقاب على المجرم، الوجه الآخر له، اغتيال للعمل الفنى.
لو قلنا إن الدراما تتقاطع مع الحياة، فى الكثير من التفاصيل، فهل الحياة عادلة فى تحقيق الثواب والعقاب؟
كم مرة رأيت قاتلا وقطرات الدماء على يديه، بينما الإعلام يعتبره رجل الخير والعطاء والتقوى والورع، نعم لا تزال هناك بقايا (الكارما)، وهى من المعتقدات العميقة فى الديانة البوذية، أى أن ترى العدالة السماوية تتحقق أمامك، الواقع يؤكد أن تلك ليست هى أبدا القاعدة القاعدة المستقرة.
مسلسل (طالع نازل)، البعض يطل عليه مرتديا نظارة (الجريمة والعقاب)، كره المشاهدين كل أفعال بطلة المسلسل منى زكى، وجد فيها قسوة مفرطة، لدقة تقمصها للشخصية، هذا هو الجانب الإيجابى، ولكن هناك الرؤية السلبية التى تدفع البعض للتطرف فى الكراهية، لقطع الخط الفاصل بين الشاشة والواقع، يكرهون منى، هناك أيضا المحاكمة الاجتماعية، التى لا ترى أن ما أقدم عليه الزوج محمد شاهين بالزواج من أخرى وإخفاء هذا الأمر على زوجته عامين لا يعد أساسا خطأ، فهو لم يفعل شيئا خارج إطار الشريعة، عديد من الدعاة أقروا أن الزوج غير ملزم حتى أن يخبر زوجته الأولى، المسلسل اصطدم بتلك العقول المتحجرة، لا أريد أن يصبح الحديث فقط عن الجرأة الفكرية، ولكن المخرج هانى خليفة قدم لنا شاشة جذابة بكل مفرداتها، منذ اختيار الفكرة والسيناريو والحوار لأسماء عبد الخالق وإنجى قاسم، السيناريو يحرص فى الانتقالات الدرامية على القفز فوق كل الاحتمالات المتوقعة، يدهشك إلى حد الصدمة، ثم تكتشف بعدها كم كان هذا الفعل منطقيا ومتوافقا مع محددات الشخصية، كلمات الحوار تنضح بطزاجة اللحظة، قدرة من المخرج على تسكين الأدوار، لنجدهم فى أفضل لحظات الأداء صدقا منى وشاهين ومريم الخشت، وأيضا الموسيقى لأحد أهم صُناع الموسيقى التصويرية أمين بوحافة، نبض الموسيقى يجب أن يعبر عن حالة الدراما والبطل معا، هانى يتعامل مع المسلسل فى تفاصيل التصوير بإبداع، لتصبح الإضاءة أحد الأبطال الرئيسيين بقدرتها التعبيرية.
حلم الإنجاب الذى تمنته البطلة اقتربت من تحقيقه، لكن النتاج هو أن الجنين مشوه، بفعل المخدرات التى كانت تحرص أن تدسها لمحمد شاهين، وكأنها تستعيد أسطورة (بيجماليون)، الذى صنع التمثال وأحبه إلى درجة العبادة ثم قرر بعد أن تمرد عليه أن يحطمه، وهكذا تُقدم على كل أفعالها الشيطانية بضمير مستريح، ومع كل انتصار تحطم فيه الأسطورة التى صنعتها تزداد ابتهاجا.
بدأت (الكارما) تعبر عن نفسها، بحالة الشك التى كانت تنتاب محمد شاهين حتى مع أقرب الناس إليه يتشكك فى أنهم على علاقة بمنى زكى، العقاب نالته هذه المرة من صنعت الجريمة.
كانت تلك أيضا هى رغبة قطاع من الجمهور، وجد فى هزيمة منى ارتياحا وهكذا ازداد تعاطفا على الجانب الآخر مع مريم الخشت الزوجة الثانية، هل كان ينبغى أن نصل للذروة ويصبح الحصاد الذى تناله فى النهاية جنينا مشوها.
هل الوصول إلى تلك الذروة هو رد فعل لامتصاص غضب قطاع من الجمهور، لن يرتاح ويغمض له جفن، إلا إذا وجد أمامه (الكارما) تتحقق وتدفع منى زكى الثمن مرتين (طالع نازل)؟!!.
التعليقات