رحل صاحب بائع الموتى..

بعد دقائق من الميلاد تستخرج شهادة ميلاد تحمل بيانات المولود "الاسم والديانه واسم الوالدين والقرية أو المركز أو المحافظه التى سوف يحمل عنها المولود عاداتها وتقاليدها.. لم يختار لنفسه ما سبق ولا يستطيع تغيره .. ربما محل الإقامه إذا تغيرت إقامة الوالدين لسبب ما، وغالباً ما تستمر هذه البيانات حتى إنتهاء دراسته الجامعية، ومن ثم  فالمستوى المادي والاجتماعي سيظل ثابتاً دون أى خيارات له، ربما دراسته الجامعية تلعب دوراً هاماً فى تغيير الكثير خاصة عند التحاقه بإحدى الكليات المتميزه بالقاهرة والتى قد تغيرمن شخصيته وعاداته ومحل إقامته  نظراً  لطبيعة دراستها كالشرطة والحربية والكليات الفنية المتنوعة .. ربما تعد سنوات الدراسة نقطة انطلاقة ليتمرد خريجيها على محل الميلاد فتكون سبباً لنقله من الريف أو الصعيد أو الساحل إلى العاصمه فيستقر بها بعد انتهاء دراسته وتبدأ مرحلة البحث عن عمل قد يغير من حالته المادية، وربما اهتدى إلى زوجة بديله عن بنت العم التي كانت تنتظره منذ أن كان صبياً فيتغير الوضع الاجتماعى (مابين القدر والقرارات الجريئة وحالة التمرد)، يستطيع أن يغير أشياء بالفعل قابلة للتغير ولكن يبقى دوماً الاسم والديانة والوالدان ومحل الميلاد الذي سوف يستقبله ليودعه إلى مثواه الاخير.

ماسبق كان دوماً حديث  استاذى الراحل الفنان جمال فوزى استاذ النحت بكلية الفنون الجميلة جامعة المنيا، والذي رحل عنا بالأمس القريب والذي نحمل له حباً وتقديراً جعله فى منزلة الأب، وحمل هو من الطيبة والبراءة والسلام الداخلي ما يجعلنا نكتب حين مات (رحل العزيز .. رحل صاحب القلب الطيب)

كان دائماً يجمعنا حوله يحكى لنا كيف كانت طفولته وكيف انتقل إلى القاهرة عندما التحق بكلية الفنون الجميلة،  ونوادره وذكرياته مع استاذه جمال السجيني، وحين يتكلم عن فترة دراسته  يشعرنا بالأسى والحزن ومرارة الظلم فى صوته حينما يتذكر حظه السيئ بعدم تعيينه معيداً بالكلية والذى كان سبباً فى إعادته إلى بلدته بعد التخرج ليقبل وظيفته المتواضعه والتدرج حتى أصبح مديراً لقصر ثقافة الزقازيق – الشرقيه ثم الزواج والأبناء إلى أن سافر للعمل بالمملكة العربية السعوديه، وفى عام 1983 فتحت كلية الفنون الجميلة بالمنيا عند نشأتها ذراعيها لكل من لم يصبه الحظ لتعيينه بالكلية الأم التى تخرج منها، ويعد واحداً ممن التحقوا بها  لنسعد نحن طلابه بوجوده استاذاً ومعلماً ومفكراً يسبق الأحداث وكأنه يرى المستقبل فى وضوح ويستحضرنى هنا تمثاله بائع الموتى الذى أنجزه فى بداية التسعينات من القرن الماضى..هذ المشهد العبثى الذى رأيناه فى الواقع ومن خلال الصور الضوئيه فى الصحف ووسائل الإعلام.

تماثيله لم ترى النور وإبداعاته ظلت حبيسه جدران مكتبه ننهل نحن فقط تلاميذه ما نشتهي منها.. فلم يكن الفنان والمعلم والاستاذ جمال فوزى الشخص الذى يصارع الحياة ولم يكن الشخص الذى يحمل تماثيله من محل إقامته في المنيا إلى القاهرة بحثاً عن فرصة العرض بقاعات الدولة ومقتنياتها وقصاصة ورق فى إحدى الصحف تكتب عنه  بحثاً عن الشهرة.

اكتفى بأن يبدع ويسجل خواطره ومن حوله تلاميذه ينقل لهم فكره وتعاليمه وخبراته، فلم يكن الحظ حليفه فى المال والشهرة ولكنه حظى بأبناءه وإبداعاته وبأجيال تتلمذت على يده، وحملت له كل الحب وودعته بصدق حين رحل داعيين الله أن يغفر له ما تقدم من ذنبه، وأن يجعل مثواه الأخير روضة من رياض الجنه.

وداعاً صاحب القلب الطيب الفنان جمال فوزى                

د. إيهاب الأسيوطى 

التعليقات