هل تصبح التحلية الخيار الإستراتيجي لمواجة شح المياه في الوطن العربي؟

نظرا لشح الموارد المائية العذبة الطبيعية المتجددة مثل الأنهار والبحريات العذبة وتدهور المياه الجوفية وإستنزافها نتيجة الضخ الجائر من الخزانات الجوفية غير المتجددة - في الغالب الأعم - فقد لجأت الحكومات العربية في التوجه نحو موارد المياه غير التقليدية والتي تتمثل في تحلية مياه البحر أو إعادة إستخدام مياه الصرف الصحي المعالج. وسوف أتناول في عدد من المقالات هذه أولها أهمية الموارد المائية غير التقليدية وإقتصادياتها وتأثيرها على دفع عجلة التنمية بالمنطقة. تعد صناعة تحلية مياه البحر إحدى المصادر المستخدمة في المنطقة العربية للحد من ظاهرة العجز المائي. ويوجد في العالم أكثر 18 ألف محطة تحلية تنتشر في حوالي 150 دولة لتمد نحو 300 مليون نسمة حول العالم بمياه الشرب النظيفة. وقد كانت بداية فكرة تقطير مياه عذبة من مياه البحر على يد البحارة منذ القدم وقد أستخدموها لتوفير المياه اللازمة للشرب على متن السفن أثناء السفر لفترات زمنية طويلة في البحار والمحيطات. أما بداية صناعة التحلية الحقيقة فقد كانت متواضعة وقد وصل مجموع ما ينتج في جميع أنحاء العالم في عام 1958 إلي حوالي 8 آلاف متر مكعب يومياً ثم ما لبث الإنتاج العالمي ما أن أخذ في الازدياد تدريجياً حتى وصل في عام 1965 إلى 263 ألف متر مكعب يومياً ثم تضاعفت الطاقة الانتاجية للتحلية بمعدل ثلاث مرات كل 5 سنوات لتصل في عام 1980 إلى 8 ملايين متر مكعب يومياً حتى وصلت في نهاية عام 2016 إلي أكثرمن 90 مليون متر مكعب يومياُ.

وهناك تقنيات كثيرة للتحلية غير أن الأكثر إنتشاراً منها على المستوى التجاري هما طريقتين، الطريقة الأولى: التحلية الحراية بالتبخير وأهم التقنيات المستخدمة هما التقطير السريع متعدد المراحل والتقطير متعدد التأثير، والطريقة الثانية هي التحلية بإستخدام الأغشية وأهمها التناضح العكسي. وتعتمد طريقتي التحلية بالتبخير على تبخير المياه المالحة من خلال المراجل البخارية ثم إعادة تكثيفها في صورة مياه عذبة. أما الأغشية فأنها عبارة عن تمرير المياه المالحة في أغشية ذات فتحات صغيرة جداً تسمح بحجز جزئيات الأملاح الذائبة في الماء المالح ومرور جزئيات المياه العذبة فقط. ويلزم استخدام مضخات ذات ضغوط عالية لتمرير المياه المالحة في الأغشية. وقد تطورت طرق التبخير كثيراً ليتم إستخدمها إستخداما مزدوجا من خلال إستخدام البخار لإدارة توربينات لتوليد الطاقة الكهربية ثم ثكثيفه لإنتاج المياه العذبة وهو ما ساعد علة تقليل التكلفة ورفع الكفاءة. وبالرغم من ذلك تظل كفاءة التحلية بإستخدام الطرق الحراية بالتبخير منخفضة حيث تتراوح كفائتها من 25% إلي 40% فقط. لذا فإن التوجه نحو إستخدام طرق الأغشية قد بدأ في الزيادة بشكل كبير عالمياً وعربياً.

وتمتلك المنطقة العربية نحو 63٪ من إجمالي الطاقة الانتاجية العالمية للتحلية، يوجد معظمها في دول الخليج العربي حيث تتصدر المملكة العربية السعودية الإنتاج العالمي من التحلية بحوالي 26% بإجمالي إنتاج يتجاوز 2,2 مليار متر مكعب سنويا. وتأتي في المرتبة الثانية عالمياً دولة الإمارات بنسبة 18% من الإنتاج العالمي بإجمالي إنتاج يتجاوز 1,8 مليار متر مكعب سنويا. ثم الولايات المتحدة الأمريكية في المرتبة الثالثة بنسة 12% من الإنتاج العالمي. ويصل إجمالي الإنتاج الحالي في دول الخليج العربي إلي نحو 5 مليارات متر مكعب سنوياً من محطات التحلية والتي تعمل غالبيتها بطريقة التبخير ثم تأتي طريقة التناضح العكسي.

وللتحلية في الدول العربية بشكل عام وفي دول الخليج العربي بشكل خاص تاريخ طويل حيث يعود تاريخ تحلية مياه البحر الى عام 1907 عندما استقدمت المملكة العربية السعودية وحدة لتقطير المياه الى مدينة جدة، والتي عرفت باسم الكنداسة وباشرت عملها حتى عام 1924. وفي عام 1928 أمر الملك عبدالعزيز رحمه الله باستقدام جهازين آخرين لانتاج المياه المحلاة. ومع تزايد دوران عجلة النهضة الحضارية والاقتصادية في السعودية، وعلى وجه التحديد في عام 1956 تم تأسيس إدارة تابعة لوزارة الزراعة والمياه أنيط بها تقييم الجدوى الاقتصادية لزيادة الانتشار الجغرافي لمحطات تحلية المياه مع امكانية توليد الطاقة الكهربائية بفعل اطلالتها البحرية على سواحل الخليج العربي والبحر الأحمر، هذا وتم في عام 1972 تطوير الادارة السابقة الى وكالة وزارة معنية بتحلية المياه ومرتبطة في الوقت نفسه بوزارة الزراعة والمياه. وفي عام 1962 كانت أول محطة للتحلية في أبوبي بطاقة إتاجية لا تتجاوز 250 متر مكعب في اليوم. ومع التطور الشريع وإرتفاع معدلات التنمية في أفمارات زاد الإنتاج حتى وصل إلي نصف مليون متر مكعب يوميا. وقد بدأت باقي دول الخليج العربي في بناء محطات التحلية بين فترة وأخرى لتلبية الاحتياجات المتزايدة من المياه منذ السبعينات من القرن الماضي وحتى الآنن تلتها بعد ذلك باقي الدول العربية في منتصف التسعينات من القرن الماضي.   

وبالرغم من هذا التاريخ الطويل لصناعة التحلية في الدول العربية بصفة عامة ودول الخليج العربي بصفة خاصة، إلا أن هناك العديد من العقبات والتحديات التي تواجهها وتؤثر في الاعتماد عليها كمصدر رئيسي ومستدام للمياه أهمها التكلفة المرتفعة وإستهلاك للطاقة والآثار البيئية السلبية ناهيك عن الإعتماد على الشركات العالمية في بناء محطات التحلية بل وأحياناً إدارة هذا المرفق الحيوي والإستراتيجي. وسوف نتحدث بالتفصيل عن هذه التحديات والجهود المبذولة من الدول العربية للتغلب على هذه التحديات في مقالات قادمة. وهذه التحديات تضع الدول العربية أمام خيارات ثلاثة للتغلب على أزمة شح الموارد المائية العذبة، الأول: إدارة الطلب على الموارد المائية وترشيد الإستهلاك وتعظيم الفائدة منها وتحديد أولويات إستخدامها، الثاني: الاعتماد على صناعة تحلية المياه وإعادة إستخدام مياه الصرف الصحي المعالج كبدائل وخيارات إستراتيجية للموارد المائية العذبة، أما الخيار الثالث: فهو نقل المياه من دول الجوار الجغرافي الغنية بالمياه والذي حاولت بعض الدول العربية دراسته كل حسب ظروفة وموقعه الجغرافي. غير أن هذا الخيار الأخير يواجهه العديد من التحديات سواء السياسة أو الإقتصادية أو الجيوبوليتيكية. والأرجح عندي أن الدول العربية لن يكون أمامها سوى  الخيارين الأول والثاني في المستقبل وعليها العمل نحو تحقيق خطوات ملموسة سواء في إدارة الطلب على المياه أو تطوير وتبني تقنيات حديثة تهدف إلي رفع كفاءة وتقليل كفاءة التحلية ومعالجة وإعادة إستخدام مياه الصرف الصحي المعالج.

د. محمد عبد الحميد داوود               

مستشار الموارد المائية، أبوظبي ، دولة الإمارات العربية المتحدة

التعليقات