رجل الجبل..وشباب المقاهى

قرر عامل هندى بسيط نحت طريق فى الجبل ليوفر على أهالى قريته عبء تسلقه أو السير مسافات طويلة للدوران حوله، للوصول إلى المدينة، داشراث مانجى بدأ تنفيذ قراره عام 1960 بعد سقوط زوجته من أعلى الجبل حيث فارقت الحياة أثناء انتظار سيارة الإسعاف التى تستغرق 3 ساعات للوصول الى قريته (غيلور)، طلب مانجى المساعدة من أهالى القرية لشق الطريق فوصفوه بالمعتوه الذى فقد عقل نتيجة لموت زوجته، وعندما لجأ إلى الحكومة اعتذرت لعدم توفر التمويل المالي، فاعتمد على نفسه وبدأ مشروعه متسلحا بإيمانه ومطرقة و إزميل وفأس، بعد أيام قبضت عليه الشرطة وحبسته أسبوعا بتهمة التعدى على ممتلكات عامه، ولكنه استمر يعمل بمفرده. لم تحبطه قسوة الجبل الصخرى ولا سخرية الأهالي، وعندما لدغه ثعبان، قطع اصبعه الملدوغ ، ثم واصل العمل. بعد 22 عاما تمكن من شق طريق فى الجبل طوله 110 أمتار وعرضه 9 بارتفاع 7 أمتار. 

مات مانجى عام 2007 بعمر 73عاما. ونظمت له حكومة بهار جنازة رسمية.وهذا كل التكريم الحكومى الذى حصل عيه الرجل، ولكن ضمير الأمة كرمه بشكل أوسع عندما انتج بالهند فيلم عن حياته عرض العام الماضى بعنوان (مانجى - رجل الجبل) وذكر فى تذييل الفيلم أنه «بعد 52 عاما من بدئه تكسير الجبل وبعد 30 سنة من انتهائه من حفره و بعد 4 سنوات من وفاته أنشأت الحكومة أخيرا طريقا معبدا فى غيلور سنة 2011.»  الشاهد أن المبادرة الشخصية والتطوع قد يصنعان المستحيل،ولدينا بمصر مئات من أمثال رجل الجبل، فلا تنتظر قرار الحكومة فى كل شيء، ففى النهاية سوف تأتى وتكمل ما بدأته أو تضيف إليه عملا آخر. ابدأ مشوارك لخدمة مجتمعك وحتى لو تنكروا لك أو سخروا منك فسوف يكرمونك فى نهاية المطاف، وان لم يفعلوا فيكيفك رضا الله (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) ( التوبة 105)  الاقتناع بقدرتك على التحدى يصنع المستحيل، فالجبل الصخرى قد ينظر إليه كمأوى للهاربين من العدالة كما تظهره بعض الأفلام بمصر، وقد يكون مصدرا للتحدى كما بالهند. البلدان بدآ معا مسيرة التحرر من الاستعمار البريطانى ولكن هناك رجالا يشقون طرقا فى الجبال ويتحدون الفقر، لديهم مشكلات يتغلبون عليها بالعمل والشفافية والديمقراطية، دخولهم النادى النووى لم يحصر تقدمهم على الشق العسكرى وإنما أصبح لديهم اكبر إنتاج بمجال البرمجيات وشرائح الحاسوب،ومصانع السيارات، أطلقوا سفينة فضاء وصلت المريخ العام الماضى بتكلفة 100 مليون دولار أى اقل من تكلفة إنتاج فيلم أمريكى عن الفضاء، لديهم مئات الأعراق واللغات والعقائد، ولكن لديهم تسامحا اكبر،أما نحن فقد سرنا فى طريق آخر! لدينا أبواب كثيرة لكى نترك بصمتنا فى الحياة، هناك ساعات عديدة يهدرها الشباب بالمقاهى وفى تصفح الإنترنت يمكن أن نغتنمها فى عمل تطوعى يعود بالفائدة على مجتمعنا. وهناك العديد من القضايا الوطنية التى تحتاج إلى هذه الجهود مثل مواجهة الأمية الأبجدية والتكنولوجية والسياسية، والتدريب على الأعمال الحرفية، والمشاركة فى الحملات الصحية والتوعية بقضايا التلوث.  ولكن للأسف لا توجد خطة وطنية مقنعة لتجميع الجهود التطوعية لخدمة أى من هذه القضايا، على الرغم من أن لدينا ثروة هائلة من الطاقات البشرية التى يمكن الاستفادة بها فى هذا المجال، مثل الشباب تحت سن العمل وبخاصة الطلبة، والسيدات التى لا يعملن، فضلا عن أصحاب المعاشات. ومع قلة الجهود التطوعية والخيرية، فإن الكثير منها يتوقف بسبب ربطها بالأهواء السياسية تارة، أو بأجندات بعيدة عن أولويات المجتمع تارة أخرى. من جهة أخرى فإن استيعاب الشباب بالعمل التطوعى يسهم فى حل العديد من المشكلات الناتجة عن الفراغ وفى مقدمتها الانحرافات الفكرية كالتطرف الفكرى بمختلف اتجاهاته أو الانحرافات السلوكية التى قد تنجرف بالشباب إلى الجريمة أو تجعل بعضهم يقع فى شراك تجار المخدرات.  بجانب أهمية وجود إطار وطنى واضح الأهداف، يجمع الجهود التطوعية وينسق بينها، فإن الأمر يتطلب تحديد أوليات فعلية لدى المجتمع يمكن لهذه الجهود المساهمة فيها. وحتى لا نقع فى الأخطاء السابقة الناجمة عن العشوائية فى إدارة بعض الأمور، نحتاج إلى تخطيط سليم لتفعيل العمل التطوعى بدءا بالتوعية بأهميته منذ الصغر من خلال بث قيمه عبر المقررات الدراسية ومرورا باكتشاف طرق مبدعة لجذب الشباب إليه والحث عليه بين جميع الفئات والشرائح الاجتماعية،وتحويله إلى ثقافة فى المجتمع، ثم رعاية المنظمات التى تسهر عليه، واحتضانه ضمن مشاريع وطنية تنسجم مع خطط التنمية، وانتهاء بالتدريب المستمر لفرق العمل التطوعى لكى تحقق أهدافها فى الوقت والمكان المطلوب . وقبل كل ذلك لدينا دوافع دينية هائلة تحثنا على العمل التطوعى حتى قيام الساعة.. لا نريد أن تكون رجل الجبل وإنما على الأقل رجل الحى أو القرية أو المدينة ! 

 

 د . محمد يونس

كاتب مصري 

التعليقات