ندوة لـ"تريندز"| مفكرون: العالم الإسلامي يحتاج إلى مشروع تجديدي لمكافحة التطرف

في أولى ندواته العلمية وأنشطته المعرفية لعام 2022، نظم مركز تريندز للبحوث والاستشارات ندوة - عن بُعد - تحت عنوان: "مكافحة خطاب الكراهية والتطرف: مداخل جديدة"، أدارها مشاري عتيق الخبير في العلاقات الدولية من المملكة العربية السعودية. 

uploads/files/mebusiness.ae_1642067388_1.png   وقد ألقى الكلمة الترحيبية للندوة محمد السالمي الباحث الرئيسي في "مركز تريندز"، مؤكداً أن الندوة تهدف إلى تحصين الشباب ضد خطاب التطرف والكراهية ونبذ العنف على المستويين الإقليمي والعالمي في ظل انتشار خطاب الكراهية والعنف ضد الآخر.

وأوضح السالمي أن "تريندز" أخذ على عاتقه منذ انطلاقته مكافحة التطرف وتفكيك خطاب الجماعات الإرهابية، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، من خلال تحليل علمي ومعرفي رصين ودقيق هدفه تفكيك مفاهيم وأيديولوجيات هذه التيارات والجماعات المتطرفة ويطرح التوصيات والحلول الناجعة لمواجهتها استناداً إلى أسس علمية.

مشروع فكري تجديدي

وأجمع المتحدثون في الندوة على أن العالم الإسلامي يحتاج إلى مشروع فكري تجديدي أصيل للمسلمين قادر على أن يهضم تحديات العصر وأسئلته، وأن يشتبك مع ثقافات العالم في مشروع علمي ومعرفي حقيقي قادر على مواجهة خطاب العنف والكراهية بأساليب وطرق عصرية، مشددين على ضرورة إعادة الثقة في المؤسسات الرسمية الدينية، والاهتمام بالنشء والشباب لتحصينهم من هذه الخطاب الظلامي الهدام.

الجهود المبذولة في مكافحة خطاب التطرف والكراهية: تقييم وتوصيات

واستهل نقاشات الندوة فضيلة الدكتور أسامة الأزهري، مستشار رئيس جمهورية مصر العربية للشؤون الدينية، متحدثاً عن "الجهود المبذولة في مكافحة خطاب التطرف والكراهية: تقييم وتوصيات".

وقال فضيلة الدكتور أسامة الأزهري إن خطاب الكراهية والتطرف والإرهاب على مدار الثمانين عاماً الماضية تغذيه وتنميه عدة تيارات تتجاوز الـ 40 تياراً، وتأتي على رأسها جماعة الإخوان المسلمين، وما تفرع عن هذه الجماعة من تيارات وجماعات إرهابية ومتطرفة كثيرة تبنت أفكاراً ظلامية وتكفيرية وانتشرت في شتى بقاع العالم.

وذكر الأزهري أن هذه التيارات المتطرفة تدور حول 35 مفهوماً مغلوطاً، تهدف جميعها إلى بث خطاب حماسي مشوش في عقول الشباب وتجنيدهم لحمل السلاح ضد الآخر، مضيفاً أن الآفة الكبرى أن هذه التيارات تنطلق من قواسم مشتركة غير شرعية لا تستند على العلوم الدينية الأصيلة.

وأكد أن التكفير هو البذرة والأساس والمنطلق الذي تولدت منه كل تيارات الإرهاب وجماعات التطرف، وأتباع هذه الجماعات ينظرون إلى المختلفين معهم سياسياً على أنهم مخالفين لهم في الشريعة والدين. كما أن هذه التيارات والجماعات تسعى إلى نشر التنظير الفكري الذي يكفر الآخر.

وأشار إلى أن الجماعات والتيارات المتطرفة تتخذ فكراً مضاداً للأوطان استناداً على فكرة "الولاء والبراء" التي تجعلهم يرون الأشخاص الوطنيين المحبين لبلدانهم كفاراً ومخالفين لهم في عقيدتهم التي تزعم أن الأوطان حفنة من التراب لا قيمة لها، معتقدين أن إيمان الإنسان لا يكتمل إلا إذا تبرأ من وطنه وعاداه.

وأوضح فضيلة الدكتور أسامة الأزهري أن سيد قطب، مُنظِّر جماعة الإخوان المسلمين، روج لفكرة جاهلية المجتمعات المسلمة، حتى أنه كررها في كتاباته أكثر من ألف مرة.

وطالب الأزهري بإطلاق مشروع فكري وعلمي تجديدي معمق وأصيل للمسلمين قادر على أن يهضم تحديات العصر وأسئلته وأن يشتبك مع ثقافات العالم، وقادر على مواجهة خطاب الكراهية، ويجب أن يقف عليه علماء الشريعة وأهل الاختصاص في شتى بقاع الأرض، لكي تكون مكافحة الخطاب المتطرف مستندة ومبنية على أسانيد وأسس علمية دقيقة.

وذكر أن هذا المشروع العلمي التجديدي يجب أن يستند على خمسة أركان أساسية هي: "احترام الأكوان، وإكرام الإنسان، وازدياد العمران، وحفظ الأوطان، وزيادة الإيمان".   مكافحة الخطاب المتطرف: الآليات والاستراتيجيات

بدوره، تحدث سعادة الدكتور عمر حبتور الدرعي، المدير التنفيذي للشؤون الإسلامية في الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف في الإمارات، عن آليات واستراتيجيات مكافحة الخطاب المتطرف.

وقال الدرعي أن الدول التي تعمل على مكافحة التطرف والإرهاب جربت خلال العقدين الماضيين مناهج مختلفة وعديدة لمواجهة الفكر المتطرف، وطبقت العديد من برامج مواجهة التطرف والإرهاب وإعادة التأهيل والدمج، ولكن ما زال التطرف ينمو وينشط وينتشر في بعض البقاع.

ونوه إلى أن الخطاب المتطرف هو ركن أصيل في خطة التطرف، وليس عامل ثانوي، بل وسيلة أساسية للترويج للفكر الأيديولوجي للجماعات المتطرفة، حيث يُعتمد عليه في إثارة الفوضى والفتنة وترويع الآمنين وهدم الأوطان واختطاف النصوص الدينية.

وذكر أن الخطاب المتطرف تم استثماره في الخطاب الإعلامي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي، ولم يعد مقتصراً على الخطاب الديني، خصوصاً في ظل العصر الرقمي الذي أصبح فيه الخطاب المتطرف مجهول الهوية والمصدر.

وأشار إلى أن أبرز تحولات الخطاب المتطرف كان بتوظيف جائحة كوفيد- 19 في التخويف والترويع والشماتة في المرضى، بزعم أن الوباء عقاب من الله للبشرية، موضحاً أن التيارات المتطرفة أصبحت تعتمد على التمويل الذاتي، واستغلال منصات التواصل للترويج لأفكارهم.

وحول آليات وسبل محاربة الخطاب المتطرف، قال سعادة الدكتور عمر حبتور الدرعي: "إنه يجب الاستعانة بالخبراء المؤهلين لمواجهة هذا الخطاب، إضافة إلى إعادة الثقة في المؤسسات الرسمية الدينية، ونزع صفة المتحدث الرسمي باسم الدين عن هذا الخطاب، مع ضرورة الاهتمام بالنشء والشباب وتحصينهم من هذه الخطاب الظلامي الهدام".

تجارب ملهمة في مكافحة الخطاب المتطرف

ومن جانبه، استعرض سعادة الدكتور خليفة مبارك الظاهري، نائب مدير الجامعة للشؤون الأكاديمية في جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية بالإمارات، مجموعة من التجارب الملهمة في مكافحة الخطاب المتطرف.

وأوضح الظاهري أن التطرف يُلقي على عاتق المتخصصين مسؤوليات عميقة، لأن التطرف عملية متداخلة العوالم ومعقدة وشائكة ينتج عنها معادلة صناعة التطرف والإرهاب والهدم والدمار، وفي المقابل تدعو جميع الأديان السماوية إلى السلام والتسامح والتعايش، ولكن الأديان كالطاقة قد تستخدم للعمارة وقد تستخدم للتفجير والتدمير.

وشدد على أن وضع الأديان السماوية في قفص الاتهام على أنها أساس للإرهاب والتطرف ليس من الإنصاف العلمي ولا حتى الأخلاقي للدين، لأنه أمر غير مقبول ولا يحاكي الفهم والعقل، لأن التطرف قراءة منفصلة ومجتزأة للنصوص الدينية، وتؤدي إلى إخراج الشريعة عن منهج الاعتدال.

وركز أيضاً على أحد أسباب انتشار التطرف هو الجمود على النص، وهو من أعتى المصائب على طلاب العلم حيث يحيي ويغذي مبدأ التبعية والانقياد وراء أفكار مغلوطة ومتشددة تدعو إلى الغلو في الدين، كما أن عدم احترام الاختلاف مع الآخر عزز الفكر المتطرف الذي يدعو إلى إقصاء الآخر، فضلاً عن مصطلح "الفرقة الناجية" الذي ساهم منذ انتشاره في أوساط جماعات التطرف في بناء ثقافة الإقصاء والكراهية وفي انتشار مصطلحات الفسق والتكفير.

وأضاف سعادة الدكتور خليفة مبارك الظاهري أن التطرف من أهم الإشكالات المعاصرة وهو آفة خطيرة تهدد الأوطان والبشرية جمعاء، مطالباً بضرورة مواجهته وفق استراتيجية شاملة ومتكاملة.

مداخل جديدة لتعزيز قيم التسامح والأخوة الإنسانية كبديل لخطاب الكراهية

أما سعادة الدكتور سلطان فيصل الرميثي، الأمين العام لمجلس حكماء المسلمين، فقدم مداخلة هدفت إلى تعزيز قيم التسامح والأخوة الإنسانية كبديل لخطاب الكراهية، قائلاً إن تحقيق التنمية الشاملة من أهم أدوات صناعة السلام ومواجهة التطرف.

وشدد على الحاجة إلى مشروع تنموي حقيقي وهو ما يعتبر رداً في الميدان على خطاب الكراهية والتطرف، مشيراً إلى أهمية دور التعليم والإعلام والتنمية الاجتماعية والاقتصادية وغيرها في تعزيز قيم التسامح والأخوة الإنسانية.

وذكر الرميثي أن تجربة الدولة المصرية في مواجهة التطرف والإرهاب تستحق التوقف عندها طويلاً، مبيناً أن الدولة المصرية أخذت على عاتقها مسؤولية مواجهة الإرهاب والتطرف في المنطقة، وكانت حائط صد قوي ضد المتطرفين والإرهابيين، وضربت نموذجاً مهماً وملهماً في مواجهة قوى الظلام من خلال استراتيجية شاملة ومتكاملة تضمنت أبعاداً أمنية وفكرية وتنموية شاملة.

وشدد في ختام مداخلته على أهمية ودور أهل العلم ومراكز الأبحاث والمؤسسات الفكرية كافة في تجويد ومراجعة خططهم لتعزيز قيم الاعتدال ورفع قيمة الأوطان والإنسان ونشر ثقافة السلام والتسامح والتعايش.

نقاشات وأطروحات ثرية

وفي ختام أعمال الندوة، تقدم الدكتور محمد عبدالله العلي الرئيس التنفيذي لمركز تريندز للبحوث والاستشارات؛ بالشكر والتقدير للمتحدثين في الندوة على ما قدموه من معلومات قيمة ونقاشات ثرية وعميقة، عكست الجهود المبذولة في مكافحة خطاب التطرف والكراهية، مثمناً التجارب الملهمة والتوصيات المهمة والأطروحات المحورية التي استعرضها المشاركون لتطويق الخطاب المتطرف ودحض أيديولوجيات التيارات والجماعات المتطرفة.

التعليقات