تحل اليوم الإثنين، الموافق 7 سبتمبر، ذكرى ميلاد الملكة إليزابيث الأولى، واحدة من أشهر حكام إنجلترا وأكثرهم تأثيرا، والتي امتد حكمها لأكثر من 44 عاما، وشهد عصرها تحولات دينية وسياسية وعسكرية كبرى، إلى جانب ازدهار الأدب والمسرح الإنجليزي وظهور أسماء خالدة في مقدمتها وليم شكسبير.
عُرفت إليزابيث بألقاب عدة، أشهرها "الملكة العذراء"، بعدما ظلت دون زواج حتى وفاتها، بينما حمل العصر الذي ارتبط باسمها لقب "العصر الإليزابيثي"، وأصبحت آخر ملوك أسرة تيودور قبل انتقال العرش الإنجليزي إلى أسرة ستيوارت.

- ولدت إليزابيث الأولى في 7 سبتمبر 1533 بقصر غرينتش.
- كانت ابنة الملك هنري الثامن وزوجته الثانية آن بولين.
- جاء ميلادها في وقت كان فيه والدها ينتظر وريثًا ذكرًا للعرش، حتى إن إعلان الميلاد كان قد أُعد على أساس أن المولود سيكون أميرًا قبل تعديله بعد ولادتها.
- سُميت إليزابيث تيمنًا بجدتيها إليزابيث يورك وإليزابيث هوارد.
انقلبت طفولة إليزابيث سريعًا؛ إذ أُعدمت والدتها "آن بولين" في مايو 1536 بعدما تم توجيه اتهامات شديدة الخطورة لها شملت الزنا مع عدة رجال، والتآمر على قتل الملك، ومن ثم الخيانة العظمى، كل ذلك عندما كانت إليزابيث في الثانية من عمرها، وأُعلن بطلان زواج والديها وفقدت مكانتها في وراثة العرش.
ورغم ذلك حصلت على تعليم استثنائي، فدرست اللاتينية واليونانية واللغات والأدب والموسيقى والخطابة، وأصبحت من أكثر نساء جيلها تعليمًا، وبعد وفاة هنري الثامن عام 1547، انتقل العرش إلى أخيها غير الشقيق إدوارد السادس.

بعد وفاة إدوارد السادس عام 1553، انتهت محاولة وضع ليدي جين غراي على العرش بعد أيام قليلة، وتولت ماري الأولى، الأخت غير الشقيقة لإليزابيث، الحكم.
وكانت ماري كاثوليكية، في حين ارتبطت إليزابيث بالبروتستانتية، ما جعل الأميرة الشابة محورًا طبيعيًا للمعارضين لسياسات الملكة الجديدة، خصوصًا بعد قرار ماري الزواج من فيليب الإسباني.
بلغ الخطر ذروته بعد تمرد توماس ويات عام 1554، إذ اشتبهت ماري في تورط أختها وأرسلتها إلى برج لندن في 17 مارس.
ولم تثبت التحقيقات وجود دليل على مشاركة إليزابيث في التمرد، فأُخرجت من البرج بعد نحو شهرين ووُضعت تحت الإقامة الجبرية.
وكانت المفارقة أن الأميرة التي دخلت برج لندن سجينة عادت إليه بعد سنوات استعدادًا لمراسم تتويجها ملكة.

توفيت ماري الأولى في 17 نوفمبر 1558، لتنتقل المملكة إلى إليزابيث وهي في الخامسة والعشرين من عمرها، بعد سنوات لم يكن وصولها خلالها إلى العرش أمرًا مضمونًا.
واعتمدت الملكة الجديدة على دائرة من المستشارين الموثوق بهم، وفي مقدمتهم وليام سيسيل، الذي أصبح واحدًا من أهم رجال الدولة طوال عهدها.
وتوجت إليزابيث رسميًا في دير وستمنستر في 15 يناير 1559، ووجدت أمامها مملكة تعاني انقسامات دينية وتهديدات خارجية وأسئلة ملحة حول مستقبل الخلافة.
وسرعان ما أصبح تثبيت سلطتها وإعادة ترتيب المشهد الديني والسياسي من أولويات السنوات الأولى لحكمها، قبل أن يتحول عهدها إلى واحد من أطول عهود ملوك إنجلترا في ذلك الوقت.

كانت القضية الدينية من أخطر الملفات التي واجهت إليزابيث؛ فبعد التحولات المتلاحقة بين الكاثوليكية والبروتستانتية في عهدي والدها وإخوتها، اتجهت إلى تثبيت كنيسة إنجلترا ذات الطابع البروتستانتي.
وفي عام 1559 أُقرت تشريعات أصبحت أساس ما عُرف بـ"التسوية الدينية الإليزابيثية"، مع الإبقاء على بعض العناصر والممارسات المرتبطة بالتقاليد الكاثوليكية.
وسعت إليزابيث في البداية إلى نهج أكثر براغماتية من الصراعات الدينية العنيفة التي سبقت عهدها، لكن التوتر تصاعد لاحقًا مع المؤامرات الكاثوليكية والتهديدات الخارجية.
وفي عام 1570 أصدر البابا بيوس الخامس قرارًا بحرمانها كنسيًا، لتزداد بعدها المخاوف من المؤامرات الرامية إلى إزاحتها عن العرش لصالح منافسين كاثوليك.

منذ بداية حكمها كان زواج إليزابيث قضية دولة، لا مجرد شأن شخصي، إذ كان البرلمان ومستشاروها ينتظرون منها الزواج وإنجاب وريث يضمن استمرار أسرة تيودور.
وتلقت بالفعل عروضًا عديدة، كما ارتبط اسمها طويلًا بصديقها المقرب روبرت دادلي، إيرل ليستر، لكنها لم تتزوج أبدًا ولم تنجب أطفالًا.
ومع تقدمها في العمر، تحول عدم زواجها إلى جزء من صورتها السياسية، وانتشر لقب "الملكة العذراء"، وصُورت باعتبارها ملكة كرست نفسها لمملكتها.
ولم يكن قرارها بلا ثمن، إذ ترك غياب وريث مباشر مسألة خلافة العرش مفتوحة لعقود، وأثار صراعًا بين عدد من أصحاب المطالب بالعرش، في مقدمتهم ماري ملكة إسكتلندا.

مثلت ماري ملكة إسكتلندا أحد أكبر التحديات لإليزابيث؛ فقد كانت كاثوليكية وصاحبة مطالبة قوية بالعرش الإنجليزي في نظر خصوم الملكة.
وبعد فرار ماري إلى إنجلترا عام 1568 ظلت محتجزة لسنوات، قبل أن يؤدي اكتشاف مؤامرات مرتبطة بإسقاط إليزابيث إلى محاكمتها وإعدامها عام 1587، وهو القرار الذي أسهم في زيادة التوتر مع إسبانيا الكاثوليكية.
وفي العام التالي أرسل الملك فيليب الثاني "الأرمادا الإسبانية" لغزو إنجلترا، بعد سنوات من العداء بسبب دعم إليزابيث للمتمردين الهولنديين والهجمات الإنجليزية على المصالح والسفن الإسبانية، إلى جانب إعدام ماري.
وانتهت حملة 1588 بهزيمة الأسطول الإسباني، لتصبح المواجهة واحدة من أشهر لحظات عهد إليزابيث ورمزًا لصعود القوة البحرية الإنجليزية.

لم يرتبط اسم إليزابيث بالحروب والسياسة فقط؛ فقد شهد عهدها ازدهارًا ثقافيًا ومسرحيًا كبيرًا حتى أصبحت الفترة تعرف بـ"العصر الإليزابيثي".
وخلاله لمع وليم شكسبير وكريستوفر مارلو وغيرهما، وكانت إليزابيث نفسها راعية للمسرح، فيما أصبحت عروض فرق شكسبير أمام البلاط الملكي جزءًا من الحياة الثقافية في التسعينيات من القرن السادس عشر.
وتشير مؤسسة مسقط رأس شكسبير إلى أن فرقته كانت من أكثر الفرق اختيارًا لتقديم العروض في البلاط خلال تلك الفترة.
وفي السنوات الأخيرة من حكمها واجهت إنجلترا أزمات اقتصادية وحروبًا مكلفة واضطرابات، لكن إليزابيث ظلت على العرش حتى توفيت في قصر ريتشموند في 24 مارس 1603 عن 69 عامًا، بعد حكم تجاوز 44 عامًا.
وبرحيلها انتهى حكم أسرة تيودور، وانتقل التاج إلى جيمس السادس ملك إسكتلندا، الذي أصبح جيمس الأول ملك إنجلترا، لتبدأ حقبة أسرة ستيوارت.
التعليقات