هدى المسلمي.. من حلم التحليق إلى أول إماراتية تدرب الطيارين في الدولة

استطاعت الكابتن الإماراتية هدى سالم المسلمي، فرض نفسها وسط عالم الرجال في قطاع الطيران، بعدما انطلقت من قمرة القيادة على ارتفاع آلاف الأقدام إلى مهمة إعداد الجيل المقبل من الطيارين، صانعة لاسمها مسيرة امتدت لأكثر من عقدين في عالم الطيران، قبل أن تضيف في عام 2026 محطة جديدة إلى سجل المرأة الإماراتية، بعدما أصبحت أول امرأة إماراتية تتأهل كمدربة للطيارين في دولة الإمارات.

الإنجاز الذي أعلنته الاتحاد للطيران بالتزامن مع يوم المرأة الإماراتية لم يكن وليد لحظة، وإنما جاء تتويجاً لمسيرة طويلة بدأت بالشغف بالطيران، وانتقلت خلالها المسلمي بين أنواع مختلفة من الطائرات والمناصب، حتى تجاوز رصيدها 10 آلاف ساعة طيران، وأصبحت اليوم مسؤولة عن تدريب وتأهيل طيارين من جنسيات وخبرات مختلفة.

حلم مبكر قادها إلى السماء

قبل سنوات من الإنجاز الجديد، تحدثت هدى المسلمي عن الدافع الذي قادها إلى هذا المجال، ففي تقرير نشرته وكالة أنباء الإمارات "وام" عام 2019، عندما كانت تعمل مساعد طيار أول في الاتحاد للطيران، قالت إن شغفها وحبها للطيران كانا وراء إصرارها على تحقيق حلمها وتحدي الصعوبات المرتبطة بدخول هذا القطاع.

وكانت "هدى المسلمي" آنذاك تنظر إلى تجربتها باعتبارها أبعد من مجرد وظيفة، إذ عبرت عن رغبتها في أن تترك، إلى جانب زميلاتها، بصمة في قطاع الطيران، ووجهت رسالة إلى الإماراتيات بضرورة السعي وراء طموحاتهن وعدم التردد في دخول المجالات التي كان يُنظر إليها تقليدياً باعتبارها حكراً على الرجال، وبعد 7 سنوات من تلك التصريحات، انتقلت المسلمي بالفعل من قيادة الطائرات إلى تدريب من سيقودونها مستقبلاً.

23 عاماً في عالم الطيران

بحسب أحدث بيانات الاتحاد للطيران، بدأت هدى المسلمي مسيرتها في قطاع الطيران عام 2003، قبل أن تنضم إلى الناقل الوطني عام 2014، حيث تدرجت في مسيرتها من مساعد طيار إلى رتبة كابتن عام 2023، ثم تأهلت كمدربة معتمدة للطيران "Type Rating Instructor" في 2026.

وخلال هذه الرحلة، راكمت أكثر من 10 آلاف ساعة طيران، وحصلت على اعتماد للطيران على طائرة "بوينغ 787"، بعدما اكتسبت خبرات سابقة في قيادة طائرات "إيرباص A330" و"إيرباص A340" و"بوينغ 777"، وهو تنوع يعكس مسيرة طويلة على طائرات عريضة البدن وفي الرحلات طويلة المدى.

من إدارة الطيران إلى إدارة الأعمال

لم تقتصر خبرة "هدى المسلمي" على التدريب العملي والتحليق، إذ جمعت مسيرتها بين التأهيل الأكاديمي والخبرة المهنية، وحصلت على درجة البكالوريوس في إدارة الطيران، إلى جانب درجة الماجستير في إدارة الأعمال ونظم المعلومات.

وتكشف شهاداتها الأكاديمية عن جانب آخر في مسيرتها؛ فخبرتها لم تُبنَ فقط على آلاف الساعات داخل قمرة القيادة، وإنما دعمتها دراسة متخصصة في إدارة قطاع الطيران، وأخرى تجمع بين الإدارة ونظم المعلومات.

من قيادة الطائرة إلى صناعة الطيارين

المحطة الأبرز في مسيرة هدى جاءت في 2026، عندما تأهلت كأول إماراتية مدربة للطيارين في الدولة، لتنتقل مهمتها من قيادة الطائرة إلى إعداد وتأهيل الطيارين وفق معايير السلامة والمهنية.

وخلال الأشهر الأولى من عملها في التدريب، تولت بالفعل تدريب طيارين من جنسيات مختلفة وبمستويات متفاوتة من الخبرة، لتتحول خبرتها المتراكمة على مدى أكثر من عقدين إلى معرفة تنقلها إلى أجيال أخرى من الطيارين.

وتنظر المسلمي إلى مهمتها الجديدة باعتبارها مسؤولية مهنية ووطنية، مؤكدة أن قيمة كونها "الأولى" لا تكمن في اللقب نفسه، وإنما في ألا تكون الأخيرة، وأن تفتح الطريق أمام مزيد من الإماراتيات للوصول إلى آفاق أبعد في قطاع الطيران.

إماراتيات دخلن قمرة القيادة

إنجاز هدى المسلمي يأتي ضمن مسيرة أوسع للمرأة الإماراتية في الطيران، ففي عام 2022، حققت زميلتها في الاتحاد الكابتن عائشة المنصوري إنجازاً آخر عندما أصبحت أول كابتن إماراتية في مجال الطيران التجاري في الدولة، بعدما كانت أيضاً أول إماراتية تقود طائرة الركاب العملاقة "إيرباص A380".

وتكشف هذه المسيرة عن انتقال الإماراتيات تدريجياً بين مستويات مختلفة في القطاع؛ من الالتحاق ببرامج تدريب الطيارين وقيادة الطائرات التجارية، وصولاً إلى رتبة كابتن، ثم إلى تدريب وتأهيل الطيارين أنفسهم.

وتدعم الاتحاد هذا المسار عبر برامج لتأهيل الكفاءات الوطنية؛ إذ أظهرت بيانات برنامج الطيارين المتدربين المنشورة في 2024 أن نحو 400 مواطن ومواطنة تخرجوا في البرنامج منذ إطلاقه عام 2007 وبدأوا مسيرتهم المهنية في الطيران.

النساء في الاتحاد للطيران

وتأتي قصة هدى ضمن حضور متنامٍ للإماراتيات في مختلف قطاعات الاتحاد للطيران؛ فوفق أحدث بيانات الشركة في أغسطس 2026، أصبحت النساء يشكلن 75% من إجمالي المواطنين الإماراتيين العاملين في الناقلة، ويعملن في مجالات تمتد من قمرة القيادة والوظائف التشغيلية إلى المناصب القيادية وصنع القرار.

ويمثل الرقم قفزة لافتة مقارنة بما أعلنته الشركة في يوم المرأة الإماراتية عام 2024، عندما قالت إن النساء كن يشكلن نحو نصف كوادرها الإماراتية، مع حضور في وظائف الطيارين وأطقم الضيافة وفنيي وهندسة الطائرات والطب والتدريب والقانون والأدوار القيادية.

قصة هدى المسلمي

ربما تختصر هذه الفكرة قصة هدى المسلمي بأكملها؛ ففي 2019 كانت مساعد طيار أول تتحدث عن حلمها بترك بصمة في قطاع الطيران وتشجع بنات الإمارات على اقتحام المجالات التي اعتُبرت حكراً على الرجال، وبعد سنوات أصبحت كابتن، ثم انتقلت في 2026 إلى موقع يسمح لها بصناعة أثر يتجاوز مسيرتها الشخصية.

واليوم، بعدما تجاوزت 10 آلاف ساعة في السماء، لم تعد هدى المسلمي تقود الطائرة فحسب، وإنما تشارك في إعداد من سيجلسون مستقبلاً في مقعد القيادة؛ لتتحول قصتها من رحلة نجاح فردية إلى مسار يمهد الطريق أمام جيل جديد من الطيارين والإماراتيات الطامحات إلى التحليق أبعد.

التعليقات