مقال افتتاحي.. إعادة الذاكرة!

مقال افتتاحي.. إعادة الذاكرة!

عادل أديب

عام 2000 استيقظت على تليفون في الصباح الباكر"جدا".. من الإعلامى الكبير "عماد الدين أديب" 

عماد: بتعمل ايه.. سيب اللي في أيدك وتعالالي البيت..

لم يكن هذا غريبا فتلك كانت عادته معي كأخ أصغر له.. وهو على يقين من أنني سأكون أمامه في لمح البصر.. وتلك أيضا هي شخصيتي..

وبعد حوار مقتضب ومختصر.. شديد التركيز

وجدت نفسي بعدها بأسابيع قليلة في سوق مهرجان "كان" السنيمائي لأول مره في حياتى.. 

ولدي مكتب تسويقي كبير .. ولكن بدون أي مادة للتسويق !

بل ومطالب أن اشرح تاريخ مصر السنيمائي والإنتاجى منذ بدأ حتى يومنا هذا في 9 دقائق !

أمام ستة منتجين من ست دول عالمية مختلفة على مائدة مستديرة ! 

وفوق كل ذلك ّ.. تقديم مشروع سنيمائي للإنتاج المشترك ! 

فيما يعرف ببروتوكول 

“co-production - panel discussion”

السؤال والكارثة ياسادة لم تكن في الأصل

"ماذا قال لك الإعلامي عماد الدين أديب"؟!

وإنما كانت لحظة أن غير مهرجان "كان" قراره ووجدت نفسي على المائدة الأساسية للنقاش أمام 1700 منتج من مختلف أنحاء العالم بدلا من ستة منتجين ! 

وكنوع من التكريم لبلدي مصر..

ارتفع مستوى الادرينالين بداخلي إلى أعلاه.. وعادة تكون تلك أفضل لحظات حياتي نظرا لاعتيادي ذلك في مجال مهنتي الأساسية وهي الإخراج

نشط العقل.. زاد التركيز.. وفي أقل من 9 دقائق استطعت أن اشرح تارخ مصر منذ أول عرض سنيمائي للأخوان لوميير على مقهى كافيه "زوانى" بالإسكندرية

عام 1896 حتى عام 2000 ..

وقد انبهر واندهش الحاضرون بتاريخ السنيما المصرية، والتي قدمتها كأحد أهم رواد السنيما في العالم وعلى أنها "هوليوود الشرق"، وزاد اندهاشهم بمعرفة كمية

الإنتاج المشترك العالمي الذي بدأ مبكرا مع إيطاليا وأمريكا وفرنسا في العشرينات! خاصة عندما علم أهل البلد "الفرنسيين" أن أول انتاج مشترك كان مع أعظم

شركات إنتاجهم "جومون" عام 1927

ولا أنسى أبدا تلك اللحظات والتي كنت فخورا بتقديم تاريخ بلدي المشرف 

كثاني دولة يدخلها فن الصورة المتحركة في العالم

وأنا أرى ذلك الاندهاش والاحترام في عيون الحاضرين..

انهيت شرحى.. تصفيق حاد بالقاعة زاد من تشجيعي وثقتي بنفسي..

وأعلنت انتظاري للأسئلة.. وكان أول السائلين.. منتج شاب من إسرائيل! ***

كنت أتذكر وأنا في الطائرة من" القاهرة" إلى مطار "باريس" ثم من مطار 

"باريس" إلى "نيس".. ثم وأنا في التاكسي من "نيس" إلى "كان" 

كيف اشترى أخي أول جهاز فيديو وأفلام عديدة هي الأهم في تاريخ السنيما

وطلب منى كتابتها لقطة بلقطة في سيناريو إخراجي مفصل ! 

وأنا في السادسة عشر من عمرى!

كيف أرسل أخي أول "دش" للقنوات الفضائية لنا في منزل أبي ليتم تركيبه في منتصف الليل.. حتى اشاهد أنا وأبي كل الأفلام الأجنبية وقنوات السينما!

كيف أرسلني أخي وأنا لم أكمل الـ16 عاما إلى لندن وقال إنه سينتظرني في المطار ليستقبلني.. ولكنه لم يأتي !!

ليرى كيف ساتصرف وكيف سأصل إلى مكتبه هناك حيث يعمل!

كيف جعلنى أخي اعمل "كساعى بريد" لإرسال مقالاته لمكتبه مقابل نظير مالي حتى استطيع أن اشاهد المسرح الغنائي الإنجليزي ولكي اشتري أدوات الرسم و

الألوان لامارس هوايتى المفضله! بل ولاحصل على أول جهاز "وكمان" ( جهاز مشغل لشرائط الكاسيت متصل بسماعات للاذن) للاستماع لفيروز وصباح

فخري وام كلثوم في شوارع لندن المزدحمة ..

وهاهو الان.. يعينى عضوا منتدبا لأكبر شركة إنتاج سنيمائي في الشرق الأوسط!

هاهو يعلمني من جديد في رحله 5 سنوات في أسواق المهرجانات العالميه لاكتسب خبرة ومعرفة حقيقية لأعظم شركات العالم.

***

"لماذا لا تتعاونوا مع إسرائيل في الانتاج المشترك ؟"

كان هذا هو أول سؤال يسأله المنتج الإسرائيلي لى.. على الملاء

وفي ظني أنه توقع منى -مثل كل العرب الوطنيين – اننى ساصرخ في وجهة واتهمه بكل الاتهامات الممكنة واترك القاعه في شكل مسرحى كبير..

ويبدو أن اجابتى احبطته احباطا كبيرا .. خاصة عندما انفجرت القاعه بضحكات مكتومه لم يستطع معظمهم كتمانها..

أنا: أولا :أول اتفاقيه سلام في العالم قام بها رمسيس

ثانيا: أهم اتفاقيه سلام في العصر الحديث كانت كامب ديفيد 

ولقد ذكرت لكم في مقدمتي عن تاريخ السينما المصرية أننا نعتمد اعتمادا كبيرا على بيع أفلامنا بالخليج، وأوضحت جليا أنها امتنعت عن شراء أفلامنا بسبب

اتفاقيه كامب ديفيد لما يقرب من 20 عاما مما أضر بالإنتاج المصري ضررا بالغا..

ولذا يا " ابن العم" لا يوجد منتج يرفض دخلا إضافيا ابدا.. فمن منا لا يحب المال ؟!  

خاصة لو كان من " ابن عم " حريص عليه  ...والحصول عليه يعد متعة خاصه!

وهنا انفجرت القاعه بالضحكك.. واعتدلت ووجهت ببرود وثقه شديدين

هل من أسئلة أخرى في القاعة؟ ***

وهنا وفي تلك اللحظه ادركت أمورا هامة

والتي دفعتني من الأساس لكتابة تلك المقالات

ادركت أنني من بلد لها تاريخ إنساني عريق

ادركت أنني من بلد له تاريخ فني متين

وهو ما انطقني.. هو ما ثبت وقوى عزيمتي في تلك اللحظة وفي لحظات كثيرة في مسيرة حياتي.. وحتى لحظة كتابة تلك السطور

أنا من بلد افخر بأن ارفع هامتى بتاريخها.. في كافة المجالات..

ولكن للأسف 

هناك عجز واضح في اظهاره لنا نحن أصحاب هذا الميراث الهائل.. قبل العالم !!

فيا ساده من له تاريخ.. يملك بهدوء وبقوة..  المستقبل كله. ***

وبرغم كل ذلك ادركت في ذلك الموقف.. أن أخى لم يكن فقط إعلامي عظيم لدية قدره بارعة في تحليل الأحداث ورؤية المستقبل

بل هو أب معلم في صيغه أخ أعظم.. لديه القدرة في رؤية كينونة البشر ويعلم مقدارها.. ولديه القدره الأكبر على رعايتها. ***

الدرس الأهم الذي ارجوه من تلك المقالات 

هو "إعادة الذاكرة"

إلى عقل محبى السنيما المصرية والعريبة وصانعيها!

نعم "إعادة الذاكرة"!

وذلك بالبحث والتذكير بكل لحظات النجاح والانتصار التي طواها الزمن وعلا عليها التراب!

وهذا  لأن تاريخنا ضخم فوق كل التصورات. فوق كل الخيال!

وللأسف

لم ينجح الإعلام في تقديمه لاجيالنا الحالية والقادمة

برغم وجود تسجيل مصري وعربي وعالمي له!!

وها أنا أبدا المحاولة

على أمل أن يتبعنى كثيرين..

في محاوله هي الأهم لإعادة الوعي والذاكره لتاريخنا العريق والأهم في العالم.

واسمحوا لي 

فقد اخترت لحظات خاصه من فترة محددة فقط للغوص فيها وتقديمها

اللحظات الذهبية من وجهة نظرى

لحظة أول عرص سنيمائي للأخوان لوميير في كافيه "زوانى" بالإسكندرية

حتى لحظات بدايه السبعينيات..

لحظه "اسقاط" مؤسسة صناعة السنيما !! *** ولازال لحديثنا عن تاريخ السينما المصرية.. والكثير لنفخر به  

التعليقات