فى إطار مناقشتنا لخطاب التشكيك فى ثوابت الإسلام، أوضحنا جانبا من المغالطات التى يعج بها هذا الخطاب فى المقالين السابقين، وذكرنا منها اثنين: «التضليل المعلوماتى»، و«خلط الثوابت بالمتشابهات» عبر إثارة الشك حول حقائق قرآنية ثابتة، وهو ما سميناه «التهافت المتحامل»، ونستكمل اليوم مناقشة هذه القضية.
ثالث المغالطات فى هذا الخطاب، هو «الاستقراء المغلوط»: حيث نجد هؤلاء المشككين -الذين تتعدد أسماؤهم- يبحثون عن الآراء الضعيفة والشاذة ليعمموها على كامل الموروث الإسلامى، فى صورة نقيضة لمنهجية العلماء الذين يميزون بين الصحيح والسقيم، وبين الراجح والمرجوح، متناسين البناء المعرفى المتناسق للعلوم الإسلامية. ورابع هذه المغالطات: التلفيق والخلل المنهجى عبر ادماج الفلسفة المادية (الماركسية والداروينية) واللسانيات البنيوية مع النص الدينى لتحميل النص ما لا يحتمل و تأويل النصوص، ولى أعناقها بأسلوب يتجاوز القواعد الراسخة فى التفسير وأصول الفقه، بزعم قراءة النص بعيون معاصرة، مثل ما فعله د.محمد شحرور فى كتبه ومنها (الكتاب والقرآن قراءة معاصرة) وهو ما رفضه حتى رموز نفس تيار «القراءة الحداثية المعاصرة» الذى ينتمى إليه الكاتب: وعلى رأسهم د. نصر حامد أبو زيد الذى ذكر أن شحرور لا يملك منهجا حقيقيا فى (التأويل) أو اللسانيات، ووصف مشروعه بأنها «قراءة تلفيقية اعتسافية تبحث عن إرضاء العصر بالتحايل على الألفاظ».
ووافقه فى هذه الرأى باحثون آخرون منهم د. ماهر المنجد، و د. حسن على، والشيخ محمد سعيد رمضان البوطى، ويوسف السمرين. ولا يتسع المجال هنا لذكر نماذج أخرى من التشكيك فى ثوابت الدين، إذ ان غالبيتها تعيد طرح شبهات قديمة تم الرد عليها من قبل، ولم ينتج عن ذلك «التنوير» المزعوم وانما أسفر عن تضليل مذموم!
وعلى الرغم من تهافت هذا الخطاب وتناقضه مع حقائق تاريخية ثابتة، فإن المناقشة الموضوعية تستلزم أن نسأل: ما الإضافة المعرفية التى يحققها هذا الخطاب التشكيكي؟ وهل يأتى ذلك فى إطار بناء نموذج معرفى علمي؟ ومن المستفيد الحقيقى منه؟
يؤكد العلماء ان الإضافة العلمية تتطلب شروطا عديدة، أهمها: الرجوع إلى المصادر الأصلية الموثقة، وليس الروايات الشاذة. والاعتراف بالروايات المخالفة ومناقشتها، وليس تجاهلها أو السخرية منها. والانطلاق من فرضية البحث عن الحقيقة، وليس فرضية هدم الثوابت. وقبل كل ذلك التخصص الأكاديمى فى المجال الذى يطرح فيه الرأى. وفى مجال التاريخ تتطلب الإضافة العلمية اكتشاف وثائق جديدة، أو تقديم قراءة تحليلية شاملة تفسر الأحداث بشكل أفضل من التفسيرات السابقة. ولكن هذه الشروط لم تتحقق فى هذا الخطاب، فبدلا من تقديم دراسة أكاديمية متكاملة تنشر فى دوريات محكمة وتخضع للنقد العلمى،اختار كثيرون من هؤلاء المشككين طرح قضايا معقدة فى برامج تيلفزيونية حوارية. وهذا الأسلوب لا ينتج معرفة علمية، وإنما ينتج «تريندا» شعبويا وجدلا سطحيا.
أما النموذج المعرفى (Cognitive Paradigm) فيبنى عبر تفكيك الأخطاء تمهيدا لتقديم بديل أكثر تماسكا ورصانة. ولكن وجدنا أن هذا الخطاب يميل بوضوح إلى التفكيك المجرد. والتركيز المستمر على رموز بعينها (صلاح الدين كبطل تحرير، المسجد الأقصى كرمزية مكانية، حادثة الفيل كرمزية غيبية) بما يوحى بأن الهدف ليس إعادة قراءة التاريخ، بل «نزع القداسة» عن المخيال الجمعى والتاريخى. وتقديم قراءات «مبتورة» تعتمد على الصدمة والسخرية بدلا من البرهان، مما يضيع الجهد فى جدل عقيم لا يخدم سوى إثارة البلبلة.
إن هدم هذه الرموز دون تقديم سياق بديل متماسك يؤدى إلى حالة من العدمية التاريخية وفقدان الهوية، وهو ما يراه كثير من الباحثين مجرد استهداف مباشر للثوابت الدينية. ولا شك أن أعداء الوطن والأمة فى مقدمة المستفيدين من هدم الثوابت الدينية، إما بشكل مباشر كما فى التشكيك فى موقع المسجد الأقصى الذى يخدم السردية الصهيونية. أو بشكل غير مباشر من خلال هدم القيم التى يحملها اليقين الدينى، وما يترتب عليه من تفكك اجتماعى وتسهيل تمرير مشاريع التبعية الثقافية. وهناك أيضا استفادة فردية يحصلها الكاتب نفسه، إما لإبقاء اسمه فى دائرة الضوء، أو عبر ما يسمى اقتصاد الانتباه حيث تترجم هذه التصريحات الصادمة إلى نسب مشاهدات عالية، تحقق عوائد مادية ولو على حساب اليقين الدينى والمنهج العلمى معا!!.
التعليقات