ملـعون من يـوقظها!

ملـعون من يـوقظها!

د . محمد يونس

فى مراحل الدراسة الأولى بالمدرسة الابتدائية بإحدى قرى قنا كنت أنا وزميلى فى التختة، نادى فلتس- نتجنب اللعب فى شارع يمر فيه أستأذنا نبيل بطرس، حيث كان يلومنا ويعنفنا إذا وجدنا نلعب ويدعونا دائما إلى المذاكرة وتأجيل اللعب إلى يوم الإجازة، وعندما انتقلنا إلى مدرسة الشهيد عارف فخرى مهران الإعدادية كانت «أبلة ماري» تمنع أى طالبة مسلمة او مسيحية من دخول الفصل دون ارتداء «الإيشارب» على الرغم من أنها قبطية، وفى الحالتين كان أولياء أمورنا يؤيدان موقف «الأستاذ نبيل» و«الأبلة ماري» ونلتزم نحن الطلبة بتوجيهات أساتذتنا ولم يطرح أى طرف أبدا سؤال العقيدة، الذى أصبح اليوم يٌستدعى فى أحدث عادية وبفعل فاعل!

لكى نفهم حقيقة ما يحدث وما استجد..علينا أن نعود إلى الأصل الذى تعودنا عليه وهنا استأذن القارىء فى استكمال سرد تجربتى الشخصية فى هذا السياق، ففى المدرسة الإعدادية ذاتها كان الأستاذ عياد مدرس اللغة الإنجليزية الوحيد بالمدرسة والذى يقوم بأعمال الناظر أيضا، هو من يلقى الكلمة فى طابور الصباح وكانت فى مرات عديدة تكون حول مناسبات دينية كالمولد النبوى رغم أنه مسيحي.

وفى كلية الإعلام كانت محاضرات أستأذنا د. خليل صابات ندوات مفتوحة، غالبيتها خارج المنهج وكنا نستمتع بنصائحه ونلتزم بتوجيهاته ليس فقط فى مجال الصحافة وإنما أيضا بمختلف المجالات، فى محاضرة التحرير الصحفى كان أستأذنا د. سامى عزيز يوصينا بالقراءة خاصة القرآن الكريم لتعزيز حصيلتنا اللغوية التى نعتمد عليها فى الكتابة، كما كان يوجهنا إلى أمور كثيرة فى حياتنا العملية بدءا من زينا حتى طريقة حديثنا مع المصادر.. فى جميع الأحوال كنا نتعامل مع الأستاذ بكامل الاحترام كما نتعامل مع الوالد. أما أن يتحول حوار بين طالبة وعميد كلية بشأن الزى المناسب لحفل التخرج، إلى سجال طائفى فنحن أمام منعطف خطير يدعونا إلى ضرورة الانتباه إلى ما يحاك لنا.

على امتداد تاريخنا الطويل، شكلت مصر نموذجا فريدا للتعايش والانصهار الوطني، حيث تذوب الاختلافات وتتلاشى الفوارق أمام هوية «المواطن المصري».. إلا أننا نمر اليوم بمنعطف دقيق، تتزايد فيه التحديات التى تستهدف هذا التلاحم، ليس عبر حروب تقليدية، بل من خلال فضاء إلكترونى مفتوح، حيث يتم تحويل بعض الخلافات اليومية العادية أو حتى القرارات الإدارية إلى صراعات دينية تستدعى الفتنة. وتلعب منصات التواصل الاجتماعى دورا كارثيا فى هذا الصدد، حيث تسهم الخوارزميات فى تضخيم المنشورات المثيرة للجدل، وتمنح الأبواق المتطرفة مساحات مجانية لصب الزيت على النار، مما يحول حادثة فردية فى قرية أو مؤسسة إلى قضية رأى عام تنذر بخطر الانقسام .يأتى فى هذا السياق عدد من الأحداث الأخيرة التى تم تحريف مسارها الطبيعى بشكل متعمد.

وإذا عدنا لتأمل الواقعة المذكورة بحيادية نجد أن ما حدث فى جامعة بدر مجرد خلاف إدارى وتنظيمى بين عميد الكلية وطالبة خريجة.. نقاش حول لوائح تنظيمية، أو حرية شخصية، وهو أمر يحدث يوميا فى آلاف المؤسسات حول العالم، ولكن تم سحب الحادثة إلى مستنقع التأويلات الدينية والطائفية، ليتم تصوير الخلاف الإدارى وكأنه استهداف لديانة الطالبة، مما أخرجها تماما عن سياقها الأكاديمى والتربوى وحولها إلى مادة للتراشق المتبادل ومادة خصبة للفتنة بدأه أحدهم مدعيا أن ما حدث «لأن الطالبة ترتدى صليبا»، ثم انساق وراءه سيل من التعليقات وإعادة نشر الواقعة على شبكات التواصل الاجتماعى محملة بشحن طائفي، ونشطت الخوارزميات والكتائب الإلكترونية دون أن تترك فرصة لمن تورط فى النشر أن يسأل نفسه هل هذه أول مرة ترتدى فيها الطالبة الصليب على مدى سنوات الدراسة؟ ألم يتخرج على يد هذا العميد مئات الطلاب والطالبات المسيحيين؟ فهل شهدت الكلية حادثة تمييز واحدة قام بها العميد من قبل ضد أى منهم ؟! بل إن الخوارزميات لم تسمح إلا بنشر الرواية التى تكرس الفتنة ولم تمرر رواية العميد فى أغلب الأحوال!

هذه الظاهرة الخطيرة تحمل فى طياتها تهديدا وجوديا للنسيج المجتمعى المصري. فالفتنة: «نائمة لعن الله من أيقظها». وحين تستيقظ تأكل الأخضر واليابس، وتدمر ما بنته قرون من التعايش والمشاركة الوطنية.. واجبنا الوطنى أن نتصدى لها بوعى ومسئولية.

التعليقات