«التهافت الهاتفى» المحمول والمتحامل «2»

«التهافت الهاتفى» المحمول والمتحامل «2»

د . محمد يونس

توجيه سهام التشكيك نحو ثوابت الإسلام، ليس أمرا عارضا، وإنما نهج تتوالى موجاته بين الحين والآخر ضمن مواسم الهجوم على الدين الخاتم، تحت غطاء شعارات براقة،مثل«التنوير» و«التجديد»و«القراءة التاريخية» لتمرير شبهات قديمة فى قوالبَ جديدة، مما يستوجب التوقف عنده بالرصد والتحليل، لاسيما وأن هذا الخطاب يطرح عبر منصات إعلامية واسعة الانتشار، تستهدف بالأساس العقل الجمعى للمجتمعات العربية ويشكل ما يمكن أن يطلق عليه «صناعة الوهم وتفكيك اليقين» وقد عرضنا فى المقال السابق جانبا من سمات هذه الظاهرة ونستكمل اليوم مناقشة أبعادها من حيث الأهداف والوسائل.

تكشف القراءة الفاحصة لهذا الخطاب التشكيكى عن أن أهدافه تتجاوز فكرة «التنوير» المزعوم إلى مآرب أخرى، من أبرزها: ضرب «اليقين الأخير»حيث يمثل الإسلام، بثوابته، الحصن المتبقى للمسلم المعاصر فى ظل عالم تتآكل فيه الهويات وتتلاطم الأمواج المادية.

الهدف الأساسى هنا هو تفكيك هذا اليقين وإدخال المسلم فى حالة من السيولة المعرفية والروحية التى تتركه بلا مرجعية صلبة. ويجرى تحقيق هذا الهدف ضمن ما يمكن أن يطلق عليه إستراتيجية «صناعة الصدمة» لدى القارئ أو المشاهد كهدف بحد ذاته لجذب الانتباه (التريند). فهو خطاب يهدم ولا يبني؛ يفكك المقدس دون أن يقدم سياقا معرفيا حقيقيا ورصينا يمكن أن يستند إليه العقل.

ومع تأكيدنا رفض هدم أى ثوابت دينية، خاصة المتعلقة بالأديان السماوية التى تشكل أساسا لأخلاقيات وقيم تهدى البشرية وتمنحها الحكمة فى مسيرتها، إلا أننا نلاحظ على هذا الخطاب، الانتقائية الموجهة فهذا الهجوم التفكيكى يتركز حصرا على الإسلام (نصوصا وتراثا ورموزا)، بينما يغض هؤلاء المشككون الطرف تماما عن توجيه ذات المنهجية النقدية أو التفكيكية لأى أديان أو معتقدات أخرى على الساحة، مما يطرح تساؤلات مشروعة حول حيادية هذا الطرح وموضوعيته. ولأن الدين فى المجتمعات العربية هو أساس التماسك الاجتماعى، فإن الهجوم عليه يعتبر ضربا لكيان المجتمع نفسه.

والأعجب أنهم يتغافلون عن الترويج العلنى لمعتقدات محرفة وأساطير تتخذ صبغة دينية بينما تتعارض مع ابسط حقوق الإنسان ويتم توظيفها لاحتلال الأراضى العربية وتدمير البشر والشجر والحجر، وتسويغ العنصرية واحتقار الغير، والأنكى أن تشكيك بعضهم فى ثوابت دينية إسلامية، يخدم هذا الإجرام ويضفى شرعية على الاحتلال فمثلا نجد أحدهم فى إطار «جهوده التنويرية» يزعم أن مكان المسجد الأقصى ليس فى مدينة القدس وهو تكرار لروايات صهيونية تنكر الحقوق التاريخية والدينية للمسلمين فى المدينة.!!ثم يزيد ويزايد بتشويه صورة صلاح الدين الأيوبى الذى حرر القدس من الاحتلال الصليبي!!

فيصفه بأنه «أحقر شخصية فى التاريخ» فى محاولة لتحطيم رمز تاريخى عظيم، بهدف تفريغ الأمة من رموز قوتها ووحدتها، وهنا يتكشف أن هذا الخطاب ليس «تنويرا» يستهدف توعية أبناء الوطن وإنما «تضليل» يخدم مزاعم أعداء الوطن!

لا أحد ضد حرية الرأى وحق التساؤل ولكن الخطورة الحقيقية لا تكمن فى طرح الأسئلة، بل فى منهجية هذا الطرح التى تعج بالمغالطات، وأهمها: أولا: التضليل المعلوماتي: فيعتمد هؤلاء المشككون على تكتيك يعرف أكاديميا بـ«Gish Gallop» (إغراق الخصم)حيث يتم إمطار المتلقى غير المتخصص بسيل من التفاصيل، والتواريخ، والأسماء، والجزئيات التى يصعب على المشاهد العادى التحقق منها لحظيا، مما يخلق وهما لدى المتابع بأن المتحدث يمتلك حجة قوية. ثانيا خلط الثوابت بالمتشابهات، من خلال تحويل قضايا قطعية الثبوت والدلالة إلى مسائل جدلية، فيثيرون الشك حول حقائق قرآنية ثابتة، كتشكيك أحدهم فى قصة أصحاب الفيل المذكورة فى القرآن الكريم، متناسيا أنها ليست روايةً تاريخيةً، وإنما خبر قرآنى قطع الله به.

فهذا خلط بين ما هو «قطعي» يجب الإيمان به، وما هو «ظني» يتسع للاجتهاد.. إن إنكار هذه القصة وهى خبر قطعى، أو تأويلها تأويلا بعيدا هو تشكيك فى صحة القرآن نفسه. وقد رد عليه علماء الأزهر، كالدكتور أحمد كريمة، بأن حادثة الفيل مرتبطة بعام مولد النبى صلى الله عليه وسلم، وهو حدث معروف عند العرب ولا يمكن إنكاره .

كما أن هذا الطرح يتجاهل قرائن تاريخية قوية،مثل النقوش الحجرية التى تثبت وجود أبرهة وحملاته العسكرية على العرب، واستخدام الفيلة فى الحروب فى تلك الفترة.فلم يقدم أى إضافة سوى بلبلة المتلقى وخدمة الأعداء.

التعليقات