مصر والسودان.. الروح والجسد

مصر والسودان.. الروح والجسد

د. جيهان مديح

تثبت مصر دائمًا أنها قلب العروبة النابض، وتنطلق نحو دول القارة الإفريقية، خاصة دول الجوار، من واقع مسئوليتها التاريخية والسياسية والأمنية والاقتصادية.

وعليه، لم يكن غريبًا، أن تتحدى كل الظروف والصعوبات الاقتصادية التي يعاني منها العالم جراء جائحة كورونا، وأن تسعى لمساندة الدول العربية والإفريقية، قدر استطاعتها. 

بالحديث عن الدور المصري تجاه السودان الشقيق تحديدًا، نجد أن العلاقات تسير، مؤخرًا، نحو الذروة، عبر عشرات الاتفاقيات، ومذكرات التفاهم، والزيارات المتبادلة بين الجانبين، ومن خلال مساندة مصر لجميع جهود تعزيز السلام والاستقرار في البلد الشقيق خلال تلك المرحلة المفصلية من تاريخه، ووقوفها إلى جانب تطلعات الشعب السوداني في التقدم والازدهار.

وسبق أن أعلن الرئيس السيسي بوضوح عن دعم مصر للسودان، وشدّد على أن أمن البلد الشقيق واستقراره جزء لا يتجزأ من أمن مصر واستقرارها.

كما وصل مستوى التعاون العسكري بين البلدين إلى مستوى غير مسبوق، وصولاً إلى التدريبات العسكرية المشتركة الأخيرة، والتي حملت اسم "نسور النيل" و"حماة النيل"، بما يحمله الاسمان من دلالة ورسالة وأهداف واضحة.

أيضًا، تؤيد مصر جهود كسر العزلة الدولية وحشد المساعدات من أجل دفع عجلة الاقتصاد السوداني.

وكانت أول الداعمين والحاضرين لمؤتمر دعم السودان، الذي انعقد منذ أسابيع في العاصمة الفرنسية، باريس، بحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي عبّر عن موقف الشعب المصري بأسره تجاه أشقائه السودانيين، وبذل كل الجهد لرفع الأعباء عن كاهل الدولة السودانية، التي تخطو نحو الاستقرار، لتأتي النتائج لمؤتمر باريس بإسقاط بعض ديون السودان لدى بعض الدول، وشطب بعضها لدى أخرى، بعد أن بلغت ديون السودان قرابة 60 مليار دولار.

خلال المؤتمر، أعلنت مصر عن دعمها الكامل للدولة الشقيقة، سواء بالمساعدة في تسوية ديونها، أو بضمانها لهذه الديون، ليؤكد أن القيادة السياسية المصرية تعي وتدرك الدور الذي يجب أن تلعبه مصر، إفريقيًا وعربيًا ودوليًا، لضمان استقرار السودان الذي يمثل الأمن القومي المصري جنوبًا، وحماية المصالح المشتركة، والمصير المشترك، خاصة بعد تعرض مصر والسودان معًا لتعنت إثيوبي واضح وممنهج تجاه أزمة سد النهضة، والأمن المائي للبلدين.

بحكم الجغرافيا التي أرادها الله للبلدين، والتاريخ المشترك، يمكننا وصف علاقة مصر والسودان بأنها علاقة الروح بالجسد. وبالتالي، جاءت الجهود المصرية الأخيرة لترسيخ هذه العلاقة، والعمل على توطيدها بشكل أكبر وأوسع، تجسيدًا رؤية واضحة نحو المستقبل المشترك. وأرى أن الفترة القادمة يجب أن تشهد تحركًا نحو مزيد من التعاون والتنسيق المشترك وتوحيد الرؤى والمواقف بين البلدين تجاه مختلف القضايا ذات الاهتمام المشترك، وعلى رأسها بالطبع قضية السد الإثيوبي، تلك القضية المحورية، التي لا تمسّ البلدين الشقيقين فقط، بل تمسّ أيضًا، في جوهرها، حاضر ومستقبل شعوب كل دول حوض النيل.

من معطيات كثيرة معلنة، وغير معلنة، نستطيع القول إن السودان يجب أن يشهد طفرة زراعية وصناعية كبيرة بأيدي وخبرات مصرية، وجهود مشتركة. كما يجب استغلال المعابر والموانئ المشتركة بين البلدين، لتحريك عجلة الاقتصاد المتبادل للصادرات المصرية قي قطاعات المنتجات البترولية والسلع الغذائية والأدوية ومصنوعات النحاس، والصادرات السودانية للقطن والسمسم والبذور الزيتية، وموارد النفط والتعدين.

المصريون والسودانيون، فعلًا وليس قولًا، شعب واحد موزّع على دولتين. ونرى أن الفرصة سانحة أمام البلدين الشقيقين، لتصدر المشهد الإفريقي، بل المشهد الاقتصادي العالمي، حال الاستغلال الأمثل للموارد والإمكانات، التي يكمل بعضها بعضًا.

أما أزمة السد الإثيوبي، التي جاءت لتضعهما معًا في مركب واحد، فنراها رسالة، في الوقت المناسب، لتصحيح أخطاء الماضي، والسير في الطريق، الذي يفرضه المستقبل والمصير المشترك.

التعليقات