الذكاء الاصطناعي.. ثورة على العقل البشري

الذكاء الاصطناعي.. ثورة على العقل البشري

الباحث - عادل عبدالله حميد

تطورات العلم التي فاقت الحدود والخيال، أصبحت واقعا معاصرا يعيشه الإنسان ويتأثر به وجزءً أساسيا في حياته، فالتطورات التكنولوجية حلت محل الوسائل التقليدية ولا يخفى أن مواقع التواصل الاجتماعي مثل فيس بوك وتويتر وانستغرام والمراسلات الإلكترونية وغيرهما أصبحت وسائل أساسية في حياة الإنسان وملازمة له في عمله اليومي وتحركاته.

هذه التطورات تقترب من إطلاق ثورة على العقل البشري من خلال ما يعرف بـ"الذكاء الاصطناعي" والذي يتوقع له في المستقبل أن يصل لإجراء عملية زرع عقل اصطناعي أو ما يمكن وصفه بـ"عقل جوجل" ويعني هذا انتهاء عصر المدرسة وإلغاء التعليم التقليدي، حيث سيتمكن أي شخص من تعلم أي شيء على الفور من خلال التقنية.

فحسب توقعات الخبراء، سيتم تعزيز الدماغ بزراعة رقاقات خاصة، لذلك لن تحتاج إلى حفظ أي شيء فجوجل سيكون في رأسك، وهذا ليس بعيد المنال، سيكون الأمر حقا مثل وجود مساعد ذكي يفكر تقريبًا مثلك، ربما يبدو أن مصطلح الذكاء الاصطناعي مفهومٌ غريبٌ، بالنسبة لشخص ليس لديه فهم متعمق للتكنولوجيا، ومع ذلك، فإن النقطة الجوهرية للمصطلح بسيطة وهي قدرة الكمبيوتر أو الآلة على التفكير والتعلم ومحاكاة السلوك البشري الذكي وسوف ينعكس ذلك على مختلف أمور الرعاية الصحية التي يتلقاها الإنسان وطبيعة طعامه في المستقبل.

كما أن الاتفاقيات والمواثيق الدولية التي ستنظم الذكاء الاصطناعي تجرى مناقشتها حاليا في أروقة المنتديات العالمية.

فخلال سنوات قادمة لن يتبقى إلا عدد قليل من البشر في مجالات العمل التقليدي، بل ربما قد يصل الأمر إلى الحد الذي سينعدم فيه دور البشر تمامًا وذلك حسب ما تنبأت مجلة foreign affairs عام ٢٠١٥ بأن مصير الإنسان في ظل ثورة تقنيات الذكاء الاصطناعي سيكون مطابقًا لمصير الحصان الذي انتهى دوره كوسيلة مواصلات.  

ومن المتوقع أن تكون تقنيات الذكاء الاصطناعي قادرة على تولي كافة الوظائف البشرية خلال 120 عامًا، وهناك احتمال بأن تتفوق على الذكاء البشري في جميع المجالات في غضون 45 عامًا، وذلك حسب دراسة كشف عنها باحثون من جامعتي أوكسفورد البريطانية وييل الأمريكية.

شركة فيسبوك أشهر وسائل التواصل الاجتماعي، واكبت هذا التطور الرهيب وبدأت أيضا في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي لمواجهة الاستخدام الخاطئ لتقنية التعرف على الوجه بمعايير جديدة بهدف دعم المستخدمين في تمييز صور الأصدقاء والعائلة ومواجهة التطبيقات الزائفة في تقنية التعرف على الوجه والتي تعمل على استخدام هذه التقنية بشكل خاطئ، دون الاهتمام بخصوصية المستخدمين.

كما تحاول شركة جوجل، تدريب الذكاء الاصطناعي على اكتشاف الروائح من خلال تحليل الهياكل الجزيئية، حيث تعلّمه كيفية الشم، فقد استخدم باحثون من فريق BrainTeam التابع لجوجل التعلم الآلي لتوجيه الروبوت لتصنيف الروائح المختلفة بدقة من خلال تقويم تركيبها الجزيئي، كما حاولت شركات أخرى مثل "آي بي إم" تطوير مجال الروبوتات المزودة برائحة كريهة، باستخدام التكنولوجيا التي يمكن أن تستنشق تسرُّب الغاز بل وتُولّد روائح العطور.

وهناك بعض الشركات الناشئة في قطاع الرعاية الصحية قد تمكنت من جمع تمويل يقدر بحوالي 4.3 مليار دولار أمريكي  بين عامي 2013 و2018، وهذا الرقم يفوق استثمارات كل الصناعات الأخرى في الصفقات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي إذ تقدّر مؤسسة مورجان ستانلي أن السوق العالمي للذكاء الاصطناعي في مجال الرعاية الصحية قد يصل إلى 10 مليارات دولار أمريكي بحلول عام 2024.

كما استطاع باحثون في جامعة أوكسفورد البريطانية تطويع تقنيات التعلم العميق لفك رموز اللغات القديمة من خلال تطوير منظومة للذكاء الاصطناعي يمكنها تخمين الحروف المفقودة في نقوش اللغات الإغريقية وفهم اللغات الأثرية القديمة.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فشركة تويوتا كشفت في مفهوم سياراتها LQ الجديدة عن وجود مخلوق يسمى بـ"يووي" وهو عبارة عن مزيج من الذكاء الاصطناعي والقائد الآلي، والذي يتمكن من اتخاذ القرارات على الطريق وسوف يعرض "يووي" نظام الواقع الافتراضي الإضافي للسائق، مثل التحذيرات على الطريق، ويوفر للركاب معلومات وأفكارا تدخل حيز اهتماماتهم، وسف يخاطب بشكل شخصي كل راكب على حدة.

وتدرس الصين حاليا تطبيقات سلسلة الذكاء الاصطناعي في التمويل عبر الحدود مع التركيز على إدارة المخاطر، بهدف تحرير أسواق المال.

كما تستخدم شركة أرامكو السعودية تنقية الذكاء الاصطناعي لدراسة وتحليل رفع إنتاجية خطوط الإنتاج والمعامل.

ومع التطور الهائل في الذكاء الاصطناعي، أُفسح المجال أخيرا أمام تقنيات جديدة لمحاربة الفساد وإنفاذ العدالة الناجزة، فقد ابتكر باحثون من إسبانيا نموذجًا حوسبيًّا يعتمد على شبكات عصبية اصطناعية، بإمكانه أن يحدد المقاطعات الإسبانية الأعلى في احتمالية انتشار حالات الفساد بها، علاوة على توضيح الظروف التي ترجح أسباب ظهورها، ومن بينها، وفقا للحاسوب، أن يظل الحزب نفسه في الحكومة لسنوات أكثر، وبذلك يعد النموذج بمثابة  آلية للإنذار المبكر للتنبؤ بما إذا كان من المحتمل ظهور حالات فساد في مناطق بعينها، اعتمادا على بعض المحددات الاقتصادية الكلية والعوامل السياسية، التي تسهم في تحديد الظروف الاقتصادية للمنطقة وربطها بتوقيت التنبؤ.

وسوف تلعب تقنية الذكاء الاصطناعي في المرحلة المقبلة دورًا أساسيًّا متناميًا في مجال مكافحة عمليات غسل الأموال ومكافحة الإرهاب، وستصبح الآلة قادرة على رصد كل العمليات غير القانونية وتحليلها فكلما انخفضت نسبة التدخل البشري في عمليات نقل الأموال وإجراءات العناية الواجبة للعملاء، قلت فرصة وقوع عمليات تحايل تمهد الطريق أمام صفقات غسل الأموال ومكافحة الإرهاب.

وبالتالي يمكن القول إن التقدم المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي يُسهم في إحداث تحوُّل كبير في نمط الحياة الحديثة عن طريق إعادة تشكيل وسائل النقل، والصحة، والعلوم، وسوق المال، وأيضًا إعدادات الجيوش ومن أجل التكيُّف والتوافق مع هذا التغيير، ستكون هناك حاجة ماسة إلى إحداث تغيير في السياسات العامة بما يتوافق مع هذه التطورات المنتظرة.

وعن النتائج السلبية لهذا التطور فهناك العديد من البدائل المختلفة المتاحة للتعامل مع تداعيات الأزمات التي ستنجم عن الذكاء الاصطناعي، مثل احتمال حدوث بطالة واسعة، فعلى صعيد المجتمع، يجب وضع خطط متنوعة لإعادة توزيع العمالة، وبالنسبة للأفراد، يمكن أن يتجهوا إلى الاستثمار في مجالات أخرى، مثل الحوسبة على سبيل المثال. وتعد دولة الإمارات الأكثر استعدادًا

بالشرق الأوسط لتبني الذكاء الاصطناعي فقد أعلنت عن تأسيس "جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي"، كأول جامعة للدراسات العليا متخصصة في بحوث الذكاء الاصطناعي على مستوى العالم في مدينة مصدر التي تستضيف مقر الجامعة، كما أنها مستمرة في تجديد البنية التحتية اللازمة للارتقاء بممارسات الملكية الفكرية، وتطبيقها بالشكل الأمثل رقميا مستقبلا من خلال تقنيات وخطط مستدامة للذكاء الاصطناعي والثورة الصناعية الرابعة.

كما شهدت بلدان عربية أخرى، افتتاح كليات متخصصة في الذكاء الاصطناعي؛ ومنها تجربة مملكة البحرين، التي أطلقت للمرة الأولى في تاريخها، أكاديمية للذكاء الاصطناعي، في كلية البحرين التقنية، في خطوة تهدف لتمكين كوادر من الشباب تسهم مستقبلًا في تطوير اقتصاد المعرفة وتوفير منصة لتعزيز قدرات الابتكار والإبداع في مجال الذكاء الاصطناعي وافتتحت مصر، كذلك، للمرة الأولى في تاريخها، كلية للذكاء الاصطناعي في جامعة كفر الشيخ شمال البلاد، بالتنسيق مع وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.

كما تعمل مصر على إنشاء مركز لتطبيقات الذكاء الاصطناعي في القرية الذكية وسيتم الانتهاء منه بحلول 2020، على أن يتم نقله إلى العاصمة الإدارية الجديدة لاحقا، ليتحول لمركز ضخم للأبحاث والتطوير.

وحاليا تستعد المملكة السعودية لاستضافة القمة العالمية للذكاء الاصطناعي بالرياض في مارس 2020؛ والتي ستمثل ملتقى سنويًّا عالميًّا لتبادل الخبرات وعقد الشراكات بين الجهات والشركات الفاعلة في عالم البيانات والذكاء الاصطناعي على الصعيدين المحلي والدولي، وستعزز دور القمة المملكة الريادي في مسيرة الذكاء الاصطناعي وقيادة الجهود العالمية في هذا المجال المتقدم، كما ستناقش القمة موضوعات عدة في مجال الذكاء الاصطناعي والاستفادة من تقنياته وتأثيرها في المجتمع والاقتصاد.

ومن المتوقع أن يتضاعف حجم الاستثمار في الذكاء الاصطناعي من قبل المؤسسات العالمية بحوالي 18 مرة من 12 مليار دولار عام 2018 إلى 232 مليار دولار عام 2025، وقد حقق التمويل العالمي لشركات الذكاء الاصطناعي قفزة هائلة في عام 2017، حيث وصل إلى 15 مليار دولار، في حين أن الشركات الأمريكية كان لها الحصة الأكبر من هذا التمويل.

إن الذكاء الاصطناعي يقوم اليوم بدور محوري في التحول الرقمي في شتى المجالات، الحكومية منها والتجارية والصناعية والصحية وغيرها، وما يحققه الذكاء الاصطناعي جدير بتغيير العالم من حولنا، وعلى الخبراء والعلماء تكثيف دراساتهم على هذه التغيرات التقنية الحديثة وفهم الطرق التي يمكننا من خلالها تطويعها بما يعود بالنفع على البشرية جمعاء وتمكين الشركات والحكومات من تطبيق هذه التقنية والاستفادة منها بشكل موسع في شتى المجالات إذ يشكل الذكاء الاصطناعي حاليا أبرز الأولويات في كل القطاعات والصناعات، ومن المهم أن نواكب هذا التطور الكبير في العالم.

 

التعليقات