بَتُولْ...

الحياة أخذتها وجعلت منها ربّة منزل مجدّة, تعتني بطفليها تلتزم بمسؤوليات منزلية لا نهاية لها لم تكن تتذمر يوماً فهي الأم والزوجة المنهكة غالباً في أعمالها المنزلية , ورغم زحام المسؤوليات لم تنسى شغفها بالإطلاع والقراءة, أما مهارتها في الطهو فلا تدري إن كانت موهبة فطرية أم أجبرتها عليها مسؤولياتها. عاشت بتول مع فريد عشرين عاماً حياة مثل المياه الراكدة سلسلة من العادات والتقاليد والاحتياجات , أما علاقاتها به فلم تكن عميقة , رغم رتابة الحياة تلك لم تكن بتول مملة وصادمة بل تكسو وجهها البشاشة حديثها عذب تطيب له الجراح وعلى قدر من الجمال تطيب له النفوس وسر جمالها يكمن في هدوئها وحيائها وحبها لزوجها الذي كان لها كل شئ من حولها .. عالمها, فكانت كل رغبة تعتريها وكل شخص تصادقه وكل قرار تتخذه يحدّق من خلال منظار فريد رجل الأعمال الثري المنشغل دائماً, لقد بذلا مجهوداً كبيراً حتى يصلا إلى ما وصلا إليه من ثراء وحققا معاً الكثير من أحلامهما المشتركة وإن لم تكن جميعها.

يعيشان الآن في منزل كبير مع أولادهما لقد صمماه طبقاً لأحلامهما معاً, حيث حديقة شاسعة تحيط المنزل من كل اتجاه بها طاولة للتنس وملعب جولف وفي الركن الخلفي من الحديقة حمام سباحة ومنزل صغير للعاملين , أما المنزل فطابقان طابق أرضي للمعيشة وتناول الطعام وغرفة مكتب لتميم ملحق بها مكتبة كبيرة أما الطابق العلوي فيحتوي على خمس غرف نوم وحمامين وغرفة مكتبة خاصة لبتول وذلك لولعها بالإطلاع صممت لنفسها صومعة خاصة كما تطلق عليها, فتلتقي فيها مع نفسها. مع الوقت الأمور بدأت تتغير فقد كبر الطفلين لذا لم تعد رعايتهما تشغل وقتها فلم يعودا بحاجة إليها كما كانا من قبل, أصبح لديها الآن متسع أكبر من الوقت والفراغ,, لكن الفراغ التي كانت تشعر به داخلها أكبر وأعمق من الفراغ الذي يحيط بها . فحياتها كانت منغلقة على بيتها وأطفالها لا تذهب إلا للنادي ولكن ليس على سبيل التسلية ولكن لمتابعة أنشطة أطفالها فكنانة ابنتها الكبرى ذات التاسعة عشر تمارس لعبة الكونغ-فو وتشارك في البطولات سنوياً وكانت تحثها على ذلك وتشجعها دائما بالحضور والمتابعة.

كانت بتول ترى أن إتقان لعبة الكونغ-فو شئ ضروري لابنتها وهام للغاية حيث تستطع الدفاع عن نفسها في هذا العالم الذي لا أمان فيه, ولازالت تعتقد أنها لو كانت هي نفسها تتقن تلك اللعبة أو غيرها من ألعاب الدفاع عن النفس لفادتها في واقعة وفاة أبيها, على الأقل كانت أنقذت حياته ودافعت عنه عندما داهمهم اللصوص يوماً ما ليلاً حيث تقطن هي وهو في منزل كبير بمفردها ومديرة منزل تأتي من حين لأخر لإنجاز بعض الأعمال المنزلية فليس لديها إخوة أو أخوات وقد توفت والدتها منذ زمن وظلت وحيدة مع أبيها الذي لم يتزوج وكرس حياته لها ولها وحدها لذا كان هو أيضاً كل حياتها إلى أن استيقظت فزعة على صوت عراك بينه وبين ثلاث لصوص فهرولت إليه مذعورة فركلها أحدهم ركلة طرحتها جانباً فاقدة للوعي وعندما استفاقت أبصرت أبيها مطروحاً على الأرض غارقاً في دمائه ولكنه لازال حياً وكأنه حافظ على أنفاسه الأخيرة جاهداً وصارع الموت حتى تستفيق بتول فأخبرها في أنفاسه الأخيرة أن اللصوص أخذوا كل ما طالته أيديهم وما استطاعوا حمله ولكن يوجد ما ادخره تحسُباً لما تخبأه الأيام فأخبرها بمكانه خلف لوحة لوالدتها معلقة على يمين المكتبة في غرفة المكتب فوق كرسيه الهزاز مباشرة الذي اعتاد القراءة وهو جالس عليه إذا أزالت اللوحة من مكانها ستجد خزانة ورقم الخزانة السري هو تاريخ ميلاد والدتها وبعدها زفر أنفاسه الأخيرة وذهب إلى جوار ربه, فأطلقت صرخة حينها أفلجت صدرها وأيقظتها من الغوص في الماضي هلول ابنتها من غرفتها لتعلنها أن عليهما الذهاب قد حان موعد التدريب .. أما تيم ذو السبعة عشر عاماً بطل في السباحة في النادى نفسه اهتمت بأولادها اهتماما كبيراً لقد كانت تربيتهما تقع على عاتقها وحدها لانشغال فريد الدائم رغم محافظتها على اصطحاب أطفالها بنفسها وعدم تركهما للسائق أو الحارس الشخصي لكن وقت الفراغ يتزايد حيث لم تحرص على صنع صداقات إلا صديقة وحيدة تعدها أختاً وتقضي معها أيام الآحاد من كل أسبوع أما باقي العلاقات مجرد علاقات عابرة في النادي تلوح لها من بعيد فكانت تفضل القراءة عندما تنتظر أولادها لحين انتهاء التدريبات على طاولة نائية يحرص العاملون في النادي على إبقائها خالية حتى تأتي, وذلك للطفها ولسخائها معهم , بعيداً عن الزحام وثرثرة سيدات الطبقة الأرستقراطية من المجتمع, ولكن بدأ الأولاد يتذمرون من اصطحابها لهم فلم يعدوا أطفالاً وأشاروا عليها أن تلتحق هي بإحدى أنواع الرياضة أو النشاطات النسائية في النادي نفسه أو غيره لكنها تفضل دائما أن تتريض في صومعتها حيث جهاز السير الكهربائي علي يسار مكتبها في هدوء تضع سماعات الموسيقى دون ضجيج أو ازدحام أو الخوض في مناقشات لا تستهويها , أضحت تذهب إلى التسوق بشكل مضاعف عن عادتها فكانت تذهب عادة مرة كل أسبوع لاقتناء بعض الاحتياجات مع مديرة المنزل أما اليوم فتذهب يومياً بمفردها مما زادها ضيقاً وضجراً فكانت حياتها تعج بالوحدة في كل مكان.. وحيدة في النادي , وحيدة في التسوق , وحيدة في بيتها وأحيانا وحيدة في مخدعها عندما يتطلب عمل فريد السفر أو المبيت خارج المنزل , كانت تعانق وحدتها والفراغ الذي يحيط بها في صمت, ولطالما طلبت منه أن ترافقه ولكنه كان يقابل ذلك دائما بالرفض لأنه سفر عمل أو عشاء عمل إلى آخره من أعذار ووعود بأنه سيصطحبهم جميعاً قريباً في عطلة طويلة ومذهلة لكن لم يحين موعدها للآن كل عام تؤجل للعام المقبل. سيء الانتظار الذي تجد فيه نفسك تنتظر بلا جدوى فقط تنتظر شيئاً لا يأتي ولكنك تظل تُجالس الانتظار على طاولة واحدة إلى أن تفقد الرغبة فيما تنتظر حينها تترك الانتظار وحيداً وترحل , تعتبر بتول أن وجبة الإفطار هي أهم وجبة في اليوم وكانت تحرص على تحضيرها بنفسها صباح كل يوم.

رغم أن لكل فرد في أسرتها رغبة مختلفة في الطعام ففريد يفضل طبق البيض المقلي أما كنانة تفضل شريحة الخبز المحمص مع المربى وتيم يفضل رقائق الحبوب المحلاة بالعسل أما هي فكانت تفضل الخبز المحمص المدهون بالجبن الخالي من الدهون مع كوب من النسكافيه, من يلقي عليهم نظرة من بعيد يستشعر الهدوء والحب والترابط. وبعد الانتهاء يذهب كل منهم لطريقه فريد لشركته وكنانة وتيم للجامعة وتذهب بتول أيضاً للتسوق وتترك الأعمال المنزلية لمديرة المنزل فكانت تصطحبها معها أيام الاثنين فقط لشراء مستلزمات البيت أما مساء أيام الخميس من كل أسبوع كان يصطحب فريد الأسرة للعشاء خارج المنزل إذا تسنى له الأمر وسمح له عمله بذلك لكن أغلب الأيام تذهب بتول بمفردها مع الأولاد وبعدها يعودا للمنزل وأحيانا يلحق بهم فريد ولكن في وقت متأخر وغالباً يجد الجميع نيام وإن حالفه الحظ ووجد بتول مستيقظة كان يسترسل في تقديم الاعتذارات عذراً يناقض عذراً وبعدها تجد أن لا مفر من مسامحته فيدعوها لممارسة الحب فمن المفترض أن مساء الخميس هو مساء اللهفة الذي كانت تحرص بتول فيه أن تكون شهية جذابة , لكنه كان يقتصر على قبلات سريعة وحركات رقيقة تنضح بشعور من العطف أكثر منه حباً وكانت تمر أحياناً أسابيع دون أن يمارسا الحب معاً فقد انطفأت نشوته بينهما منذ زمن طويل وخفت بريقه , لم يعد الوهج موجوداً والغريب أن هذا لم يسبب لها قلقاً بل كان سبباً في ارتياحها فكانت تقنع نفسها بأن زوجاً وزوجة مضى على زواجهما فترة طويلة من الطبيعي أن يفقدا شيئاً فشيئاً الجاذبية الطبيعية وكانت تواسي نفسها دائماً بقناعتها أنه ليس من الضروري أن تكون العاطفة في أولويات الزواج فالاحترام المتبادل والتفاهم هم أساس العلاقات الناجحة أما الحب فهو ثانوي مقارنة بكل هذه الأشياء . هكذا كان نهاراها مابين التسوق والقراءة وأحيانا تدخل المطبخ بنفسها وتعفي مديرة المنزل من العمل, أما الليل كأنه يأتي ليعيد إليها وحدتها التي أضاعت النهار في محاولة نسيانها. قررت بتول لقتل الفراغ الذي يزداد يوما بعد يوم أن تدخل عالم التواصل الإجتماعي الذي لم تفكر فيه يوماً فكان بالنسبة لها هدراً للوقت أما الآن أقدمت على اكتشافه لعلها تجدّد به أوردة حياتها وساندها فريد وحثها على فعل ذلك لتمضية الوقت أو لربما كي تنشغل عنه ولا تملأ فراغها بالإلتفات إليه, فحماسته الشديدة في أن تتواصل الكترونياً مع المجتمع كانت توحي بذلك. أما هي تظاهرت بالجهل لإستبقائه جانبها, أحياناً نحتاج إلى التظاهر بالجهل أو الضعف حتى يلتفت إلينا أحدهم......يتبع

التعليقات