فى الوقت الذى يتابع فيه العالم المونديال الكروى، نتابع فى منطقتنا مونديالا من نوع آخر، اللعب فيه ليس بالكرة وإنما بالنار وأوراق الضغط الموجعة، وإذا كانت الفرجة ممتعة فى المونديال الأول، فإن الاكتفاء بالفرجة فى المونديال الثانى مؤلمة، فلابديل عن أن يلعب فريقنا العربى باحترافية، وأن يتوقف عن إهدار الفرص واحدة تلو الأخرى حتى لا يطول أمامنا أمد اللعب فى الوقت بدل الضائع!!
فهل يأتى اليوم الذى ندرك فيه نحن العرب أننا نهدر الكثير مما نملكه مقدرات وأدوات وأورق ضغط، بدون أى طائل؟ إن متابعة المباراة الإيرانية -الأمريكية (الإسرائيلي) تكشف تساقط الكثير من الأوهام، ومنها فشل الاعتماد على الحماية من الخارج، سقوط ورقة التحركات الفردية لملء الفراغ الحادث فى المنطقة العربية منذ عقود، بل ثبت أنها تفتح الباب لدخول قوى إقليمية أخرى لملئه.
كما تكشف لنا أن القوى التى تستهدف الهيمنة لا يجدى معها الاعتماد على خيار واحد، فلا يوجد فى صراعات النفوذ والهيمنة ما يسمى «الخيار الاستراتيجى»، وانما ينبغى العمل على العديد من البدائل والخيارات والخطط.
كيف نستفيد من التجربة الماثلة أمامنا؟..الإجابة قد لا تحتاج الى ابتكار أدوات جديدة بقدر ما تتطلب دراسة موضوعية وعميقة لفنون إدارة الأزمات والتفاوض فى الإقليم. فرغم الاختلاف الجذرى فى المنطلقات والمصالح، نجحت طهران عبر العقود الماضية فى انتزاع مكاسب هائلة من الولايات المتحدة والغرب عبر استراتيجية تفاوضية سميت بـ «دبلوماسية السجاد الإيرانى» القائمة على الصبر، وتعدد الأوراق. أما فى السياق العربى، فيمكن استخلاص عدة مبادئ تفاوضية:
أولها: بناء قوة تفاوضية من عناصر الندية، إن جوهر التجربة الإيرانية هو أن القوة تسبق التفاوض، ولا تأتى منه، رأينا كيف ترفض طهران تقديم تنازلات مجانية. كل خطوة تراجع يقابلها ثمن، والتفاوض يجرى بملفات متقاطعة (الأمن، الطاقة، النفوذ الإقليمي).
ثانيا: حصر ساحة التفاوض ورفض المقايضة: ينبغى للعرب أن يرسخوا مبدأ أن تحرير الأراضى المحتلة ليس موضوعاً للمساومة أو المقايضة.. المطلوب هو تفاوض من موقع قوة يفرض شروطاً لإنهاء الاحتلال دون قيد أو شرط، والتمسك بمبادرة إخلاء منطقة الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل.
ثالثا: توحيد الخطاب التفاوضى: تميزت إيران بوحدة الخطاب التفاوضى رغم تعدد المراكز فى النظام السياسى. أما العرب، فالتشرذم والتباين فى المواقف كانا أبرز عوامل الضعف فى مواجهة المشروع الصهيونى، يتطلب النجاح التفاوضى صياغة موقف عربى موحد.
رابعا: صناعة البدائل: تحت حصار خانق، طورت طهران شبكات نفوذ وصناعات عسكرية جعلت كلفة الصدام معها باهظة جداً لأى إدارة أمريكية.والعرب يمتلكون أوراق قوة لا تقل أهمية عن الأوراق الإيرانية؛ من الموقع الجغرافى إلى الثروات النفطية إلى العمق السكانى والتاريخى، لكن المعضلة تكمن فى «تشتت» هذه الأوراق وغياب الرؤية الجماعية الموحدة. ولتحرير ما تبقى من الأراضى المحتلة فى فلسطين، وسوريا، ولبنان، يحتاج العرب إلى تبنى استراتيجية تفاوضية جديدة مع واشنطن تقوم على محاور متنوعة، أبرزها:
-ربط المصالح الاستراتيجية بالحقوق السياسية: لا يمكن أن تظل ملفات الطاقة، والاستثمارات العربية المليارية فى الغرب، والتنسيق الأمنى ومكافحة الإرهاب، معزولة عن الضغط العربى لوقف التمدد والاحتلال الإسرائيلى. يجب أن يدرك الغرب أن استقرار مصالحه فى المنطقة مشروط بإنهاء الاحتلال.
-توظيف ملف «الكلفة الأمنية»: أثبتت أحداث غزة ولبنان أن إسرائيل تمثل عبئاً أمنياً واقتصادياً على الولايات المتحدة. هنا يجب على الدبلوماسية العربية إقناع صانع القرار الأمريكى بأن استمرار الاحتلال هو الوقود الحقيقى لعدم الاستقرار، وأن حماية المصالح الغربية تمر عبر الضغط الحقيقى على تل أبيب للانصياع للقرارات الدولية.
-استثمار التعددية القطبية: كما وظفت إيران علاقاتها مع الصين وروسيا لكسر العزل الأمريكى لها، يمكن للعرب استخدام الشراكات الاقتصادية المتنامية مع بكين وموسكو كأوراق لدفع واشنطن لتعديل انحيازها الأعمى لإسرائيل.
يمتلك الوطن العربى كل مقومات النجاح. ما ينقصنا فقط هو الكف عن تقديم التنازلات المجانية، والبدء فى صياغة استراتيجية تفاوضية عربية موحدة تستخدم أوراق القوة بذكاء، وتدير الصراع بنفس طويل، وتضع المجتمع الدولى أمام خيار واحد: إما السلام الشامل القائم على استعادة كامل الأراضى العربية المحتلة، أو تحمل الكلفة الباهظة لاستمرار الاحتلال.
التعليقات