«الأهرام» مرآة للهوية المصرية وتعزيز الوطنية «2»

«الأهرام» مرآة للهوية المصرية وتعزيز الوطنية «2»

د. محمد يونــس

منذ نشأتها حرصت الأهرام على بلورة الهوية المصرية وتعزيز الوطنية، ففي الوقت الذي كانت فيه أسماء الصحف تعكس أدوارا مهنية مثل «الجريدة» و«الأخبار» أو تبرز تخصصا مثل «روضة المدارس»، اختار مؤسساها أن يقترن اسمها بأبرز معالم الهوية، فالأهرام تعتبر العلامة المميزة لمصر من بين بلاد العالم. ولم يقتصر الأمر على الاسم وإنما ظلت الهوية والوطنية المصرية حاضرة في خطاب الصحيفة ومواقفها وانحيازها لتطلعات المصريين وقضاياهم على مدار تاريخها العريق. وكنا قد بدأنا في مقال سابق الحديث عن الدور الوطني للأهرام في إطار الاحتفال بمرور قرن ونصف القرن على تأسيسها، ونستعرض اليوم أبرز محطات هذا الدور.

فقد اهتمت الأهرام بقضية الوطن المصري منذ السنوات الأولى لصدورها وأشار صاحبها إلى اهتمامه بالدفاع عن مصالح مصر وحقوقها، فيقول فى الافتتاحية -التي نشرتها الأهرام يوم 7 أكتوبر 1884م - إن «مصر هي موضوع خدمتي، مصلحتها مصلحتي، والذود عن حقوقها قاعدة عملي، والدفاع عنها فرضي ونفلي». ويؤكد بشارة تقلا إيمانه بالوطنية المصرية- في مقاله بتاريخ 12 يناير 1895م - وحرص الأهرام على «تعزيز أماني الشعب على ما عرفه القراء فى مبادئنا الصادقة.» موضحا أن الشعار الذى اتخذته الصحيفة لسياستها التحريرية هو «حب الوطن من الإيمان.» وأكدت الأهرام أن جذور الوطنية المصرية ضاربة في عمق التاريخ: «إن الوطنية توجد فى قلوب الأمم يوم أن تضرب حدودا لاستيطانها وفواصل لأملاكها، وتعد من أبنائها جيشا ومن عاداتها وأخلاقها قانونا.. فالأمة المصرية كانت منذ عهد الفراعنة حتى اليوم صاحبة أملاك وأرض بحدود طبيعية مقررة..وإذا دخل الأجنبي أرضها عد غازيا وطنها».

وقد ساهمت الأهرام بشكل فعال في بلورة الوطنية المصرية من خلال: ثلاثة محاور أساسية، هي: مقاومة الاحتلال، وتأكيد الوحدة الوطنية، ودعم المشروع الوطني الحديث:

في مرحلة الاحتلال البريطاني لمصر (1882-1956م)، أصبحت الأهرام أداة للمقاومة الوطنية، وساهمت في توحيد الصفوف ضد المستعمر. وتأكيد حق مصر في الاستقلال. وتبنت قضايا المصريين في المدن والريف، ووقفت في وجه الضرائب التي قررها الخديو إسماعيل على الفلاحين ودفعت ثمنا لذلك، حيث تعرضت للإغلاق وسجن صاحبها، ولكن ذلك لم يثنها عن مواقفها الوطنية فقد تكبد «بشارة تقلا» مشقة السفر إلى لندن لحضور مؤتمر حول المسألة المصرية، ودافع عن مطالبة المصريين بالجلاء. وصارت الأهرام منبرًا يغذي الروح الوطنية ويُشجع على التمسك بالهوية المصرية. فقد فتحت أبوابها للشباب الوطنيين الذين صاروا بعد ذلك زعماء وأئمة وأساتذة ومفكرين تبنوا القضايا الوطنية، وأسسوا صحفا فيما بعد حملت أفكارهم، مثل مصطفى كامل، الذي كتب مقالاته في الأهرام منذ سنواته الأولى قبل أن يصبح زعيمًا شعبيًا ويصدر صحيفة «اللواء».

والشيخ محمد عبده الذي احتضنت الأهرام أول مقالاته قبل أن يصير «الأستاذ الإمام» ويصدر مع جمال الدين الافغاني صحيفة «العروة الوثقى» وأحمد لطفي السيد الذي نشر مقالاته حول الهوية المصرية بالأهرام قبل إن يلقب بـ«أستاذ الجيل» ويصدر «الجريدة»، كما نشرت مقالات في هذا الاتجاه لعبد الله النديم ومحمد المويلحى، وقصائد لمحمود سامى البارودى رب السيف والقلم وغيرهم كثيرون.

ولأن المجال لا يتسع لسرد ما نشره هؤلاء، فنكتفى باقتباسات من كتابات مصطفى كامل الذي اقترن اسمه بالوطنية المصرية حيث نشرت الأهرام المقالات التي أرسلها من باريس دفاعا عن الوطن، ومنها مقاله «من أين يأتى الخطر»، الذي نشرته في أول يونيو 1895، وتناول جهوده في التوعية بالقضية المصرية بفرنسا، مشيرا إلى كفاح الأمم الأخرى لأجل التحرر الوطني: «فهذه الولايات المتحدة التى تدهش العالم كل يوم بمحاسن أعمالها ..عاشت عمرا طويلا تحت نير الظلم والاستبداد يجرعها الانجليزى كئوس العذاب لم تنهض إلى المطالبة بالحرية والاستقلال إلا باتحاد أبنائها والعزم والحزم والصبر.. ألا فأجمعوا كلمتكم أبناء الوطن العزيز وأخلصوا النية فى خدمة مصر وألقوا وراء ظهوركم الشقاق والنفاق واختاروا سبيل الخلاص سبيلكم حتى يشهد لكم العالمون بالكفاءة والاستعداد وحب الوطن وترون بعين البهجة والرضا بعد زمن يسير مصر للمصريين» وأيدت الأهرام ثورة 1919، ونشرت أحداثها ومشاركة مختلف فئات الشعب المصري فيها. واستمر الأهرام في أداء هذا الدور حتى رحيل الاحتلال.

التعليقات